نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«قبو الورّاق».. فاطمة ناعوت تفتح خزائن «الذاكرة المثقوبة» وتنتصر للمهمشين - جريدة هرم مصر, اليوم السبت 24 يناير 2026 10:18 مساءً
الكاتبة فاطمة ناعوت في تجربة سردية مغايرة تغوص في عمق الوجود الإنساني، وتتجاوز حدود الحكي التقليدي إلى فضاءات الفلسفة والتأمل الصوفي، وهي تطل علينا في معرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٦ بروايتها الجديدة "قبو الورّاق"، الصادرة عن دار سما للنشر والتوزيع.
لا تقدم الرواية مجرد حكاية عابرة، بل تطرح وثيقة أدبية جريئة تتأمل المصير البشري من زاوية الظل، منحازةً كليًا إلى الهامش والمنسيّ والمقصيّ من السجلات الرسمية، حيث تأخذنا فاطمة ناعوت في رحلة استكشافية داخل "قبو" رمزي، لا يكتفي بتخزين الورق، بل يحفظ ما سقط عمدًا أو سهوًا من الذاكرة العامة، لتشتبك عبر سطورها مع أسئلة الهوية الشائكة، وصراع البقاء في وجه طوفان النسيان، جاعلة من الكلمة حصنًا أخيرًا للنجاة.
حارس الذاكرة المثقوبة
تؤسس فاطمة ناعوت في عملها الجديد عالمًا موازيًا داخل مكتبة رمزية، حيث يتجاوز "الورّاق" دوره الكلاسيكي كناسخ للكتب أو مؤرخ للأحداث، ليتحول إلى "شاهد" و"حارس" أمين على ما تم حذفه من دفاتر التاريخ والخرائط.
في هذا القبو، لا تبحث الكاتبة عن البطولات الزائفة أو الأسماء اللامعة، بل تنقب عما سقط من "الذاكرة المثقوبة" للتاريخ الرسمي، حيث تتعامل الرواية مع التاريخ لا بوصفه وقائع صماء، بل كذاكرة انتقائية مارست الإقصاء.
الورّاق هنا هو المعنيّ، بجمع الفتات الذي خلفته عواصف المحو. ومن خلال لغة رصينة وشاعرية، تنجح فاطمة ناعوت في تحويل هذا القبو إلى مسرح لكشف المسكوت عنه، مانحةً صوتًا لمن لا يملكون حق الرواية، ومنتصرةً للصامتين الذين تحول النسيان في حقهم إلى شكل من أشكال العنف والتهديد الوجودي.
هندسة السرد بين "الحلول الصوفي" والإيقاع الرقمي
ببراعة هندسية لافتة، صاغت فاطمة ناعوت بنيان روايتها على "٣٣ مشهدًا"، في رقم يحمل دلالات رمزية عميقة، حيث قُسّم كل مشهد بدقة إلى (مفتتح، ومتْن، وأثر)، مما يخلق إيقاعًا دائريًا محكمًا يدمج بين طقوس "الاستدعاء الرقمي" الحديثة، وبين روحانيات "الحلول الصوفي".
هذا البناء الفريد ليس استعراضًا شكليًا، بل هو وعاء ضروري لاحتواء شخوص الرواية الذين لا يُقدَّمون كأبطال بالمعنى التقليدي، بل يظهرون كأصوات جريحة، وندوب غائرة، وأسماء مهددة بالزوال.
وفي قلب هذه البنية الفلسفية، تنسج الكاتبة خيطًا إنسانيًا رقيقًا عبر قصة حب بين عاشقين، يحاول كل منهما النجاة من مقصلة الاندثار عبر الإقامة في ذاكرة الآخر. هنا، يتحول الحب في سردية فاطمة ناعوت من مجرد عاطفة، إلى ترياق للمقاومة، ومحاولة مستميتة لترسيخ الوجود في مواجهة العدم.
الكتابة كفعل مقاومة وصراع الهوية
تتصاعد وتيرة السرد في "قبو الورّاق" لتتحول اللغة من مجرد أداة للحكي والتوصيل، إلى ساحة معركة حقيقية وصراع محتدم بين التسمية والنسيان، وبين التوثيق والإلغاء القسري، كما تطرح الرواية سؤالًا وجوديًا مقلقًا: "هل الإنسان ما يُسمّى، أم ما يُمحى منه؟". ومن خلال هذا التساؤل، تؤكد فاطمة ناعوت أن الكتابة في هذا العمل ليست ترفًا جماليًا أو زخرفًا لفظيًا، بل هي فعل مقاومة ضروري.
إن الرواية بمثابة صرخة في وجه القسوة التي يمارسها المحو، ومحاولة للنجاة بالكلمات حين يعجز الواقع عن الإنصاف، بينما انحيازها للمهمشين والمنسيين يعكس رؤية الكاتبة لدور الأدب في ترميم ما أفسده التاريخ، وإعادة الاعتبار لمن سقطوا من السجل.
بهذا العمل، ترسخ فاطمة ناعوت مكانتها كصوت أدبي يحمل همّ الإنسان في أشد حالات ضعفه، مقدمةً لجمهور معرض الكتاب ٢٠٢٦ أيقونة سردية تنتصر للحب والذاكرة والبقاء.














0 تعليق