أطفال دور الرعاية.. أمانة في عنقنا جميعا - جريدة هرم مصر

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أطفال دور الرعاية.. أمانة في عنقنا جميعا - جريدة هرم مصر, اليوم السبت 24 يناير 2026 11:17 صباحاً

في كل مجتمع تُقاس إنسانيته بمدى حمايته لأضعف فئاته، ولا توجد فئة أضعف ولا أكثر هشاشة من أطفال دور الرعاية الاجتماعية؛ أولئك الذين حُرموا من دفء الأسرة، وفقدوا الأب والأم والبيت، وبعضهم حُرم حتى من الاسم والنَسب.

 

أطفال لم يختاروا مصائرهم، لكنهم وجدوا أنفسهم منذ اللحظة الأولى للحياة بين جدران دور يفترض أنها تحميهم، فإذا ببعضها ــ للأسف ــ يتحول إلى سجنٍ صامت، أو مسرح لانتهاكات لم تُكشف إلا بعد سنوات طويلة من الألم والخوف والكتمان.

 

لقد شهدنا في مصر، كما في غيرها، وقائع مؤلمة كُشف فيها عن استغلال وسوء معاملة وعنف جسدي ونفسي تعرض له أطفال داخل دور رعاية، على أيدي من يفترض أنهم أوصياء عليهم ، والأشد إيلامًا أن هذه الانتهاكات استمرت أحيانًا لسنوات دون أن يدري أحد، لأن الضحية طفل ضعيف، لا يملك صوتًا ولا سندًا، ويعيش تحت رحمة مسؤول قد لا يعرف للرحمة طريقًا، ولا يحمل في قلبه ذرة إنسانية.

 

هؤلاء الأطفال مساكين بحق؛ يكفيهم ألم اليُتم، ووجع الحرمان، وشعور الغربة وسط الحياة ، فكيف نضيف إلى ذلك خوفًا يوميًا، وإذلالًا، واعتداءً قد يترك في أرواحهم جراحًا لا تندمل؟

 

من هنا تبرز الحاجة إلى حل مجتمعي إنساني واقعي، لا يكتفي بالإدانة بعد وقوع الكارثة، بل يمنعها من الأساس.

 

وأرى أن أحد أنجع الحلول يتمثل في فتح باب التطوع المنظَّم لسكان المناطق المحيطة بدور الرعاية، ليقوموا بدور رقابة شعبية إنسانية، معتمدة رسميًا من وزارة التضامن الاجتماعي.

 

فكرة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في أثرها:

أن يُختار من كل منطقة عدد من المتطوعين المشهود لهم بحسن السيرة والسمعة، ليكونوا بمثابة آباء وأمهات، وإخوة وأخوات، لأبناء الدار ، يتم انتقاؤهم بعناية، واعتمادهم رسميًا، ومنحهم الحق في زيارة الدار في أي وقت، دون ترتيبات مسبقة، للتأكد من حسن معاملة الأطفال، وتواجدهم جميعًا، وسلامة أوضاعهم.

 

الأهم من ذلك، أن يُسمح لهؤلاء المتطوعين بعقد جلسات منفردة وسرية مع الأطفال، ليستمعوا إليهم دون خوف أو ترهيب، فيشعر الطفل أن هناك من يصدقه ويحميه ، وفي حال وجود أي شبهة خطر أو استغلال ــ جسديًا أو نفسيًا ــ يكون للمتطوعين دور واضح ومُلزِم في إبلاغ الجهات المختصة، بدءًا من وزارة التضامن الاجتماعي، وصولًا إلى الشرطة والنيابة العامة إن لزم الأمر.

 

في هذه الحالة، لن يشعر أبناء الدور بأنهم وحدهم في هذا العالم، بل بأن أهالي منطقتهم يحيطون بهم، يرونهم، ويسألون عنهم، ويقفون في ظهورهم.

 

ويمكن كذلك اختيار أحد أئمة المساجد القريبة، بترشيح من وزارة الأوقاف، ليكون ضمن فريق الرقابة، بما له من تأثير أخلاقي ودور تربوي، سواء مع الأطفال أو مع مقدمي الخدمة داخل الدار.

 

ولتعزيز الحماية، يمكن للمتطوعين التبرع بتركيب كاميرات مراقبة في الأماكن العامة داخل الدار ــ كالممرات والساحات ــ مع الالتزام التام بعدم وضعها في الحمامات أو غرف النوم، حفاظًا على الخصوصية والكرامة الإنسانية ، فمجرد وجود هذه الرقابة كفيل بردع كل من تسوّل له نفسه إيذاء طفل أو الاقتراب منه بسوء.

 

قد يخرج علينا من اعتادوا "تكسير المجاديف"، ليعددوا ألف سبب وألف عقبة تؤكد ــ في رأيهم ــ صعوبة تنفيذ الفكرة ، لكن الحقيقة أن أي مشروع إنساني حقيقي يواجه مقاومة ، ومع ذلك، يمكن تذليل العقبات ببساطة يمكن اختيار ساكن واحد على الأقل من كل بناية مجاورة للدار، ومن الشوارع المحيطة بها، لتسهيل المرور والزيارات، وضمان الاستمرارية.

 

ويا حبذا لو امتدت المبادرة لتشمل أطباء من سكان المنطقة، يتبرعون بوقتهم وجهدهم لتقديم الرعاية الطبية المجانية، خاصة في الحالات الطارئة، إلى جانب طبيب نفسي متطوع يلتقي الأطفال دوريًا، ليطمئن عليهم علميًا، ويكشف أي اضطرابات أو صدمات في مهدها.

 

إن الشعب المصري معروف بطيبته، وبأن الخير يسكن قلبه، وباستعداده لمساعدة الضعفاء حتى إن كانوا غرباء عنه ، فكيف إذا كانوا أبناء الوطن، أطفالًا لا حول لهم ولا قوة، يحتاجون فقط إلى من يرعاهم لوجه الله، دون مقابل؟

 

أعتقد جازمة أن وزارة التضامن الاجتماعي يجب أن ترحب بمثل هذه الفكرة ، فنحن بلد كبير، به أعداد هائلة من دور الرعاية، ومن الصعب ــ واقعيًا ــ تعيين أعداد ضخمة من الموظفين لمراقبة كل دار وكل طفل ، ومن هنا يأتي دور المتطوعين ذوي القلوب الرحيمة، كشركاء للوزارة، لا عبئًا عليها، ودون أعباء مالية إضافية على الدولة.

 

هؤلاء الأطفال أمانة في أعناقنا جميعًا، والرعاية الحقيقية لا تعني المال وحده، بل العاطفة، والأمان النفسي، والشعور بأن هناك من يسأل ويهتم ويستمع، فربما تكون زيارة إنسانية صادقة، أو كلمة طمأنة، أو يد حانية، أهم عند الطفل من تبرعات لا نعلم هل تصل إليه أم لا.

 

أتمنى من كل قلبي أن تجد هذه الفكرة قبولًا مجتمعيًا وحكوميًا، وأن تسعى الدولة لوضع الآلية المناسبة لتطبيقها ، فأطفال دور الرعاية لم يختاروا مصيرهم، لكننا نحن من نختار إما أن نتركهم وحدهم بين الجدران، أو أن نكون لهم أهلًا حين غاب الأهل. وحين نحميهم.. نكون قد حمينا إنسانيتنا قبل أي شيء .

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق