منى زكي صالحت بـ"السِّت" أم كلثوم أيامي - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
منى زكي صالحت بـ"السِّت" أم كلثوم أيامي - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 05:04 مساءً

ليس سهلاً الاقتراب من أم كلثوم. لا لأنّ صورتها مقدّسة، إنما لأنّ حضورها ما زال حيّاً، ثقيلاً، يسبق أيّ محاولة لاستعادته تمثيلاً.

كوكب الشرق متسامية؛ يصعب الاقتراب منها. لم أعد أذكر متى سمعتها أول مرة. لعلّها كانت في ليلة صيفيّة من ليالي قريتي الباردة. لعلّني سمعتها طفلاً، من راديو والدتي. لا أذكر. أعترف أنّني لم أفهمها يوماً، ولكنني نشأت على احترامها وتقديرها للسعادة والطرب اللذين أسبغتهما على أمّي. كان حضور أم كلثوم طاغياً في طفولتي، امرأة جبّارة، قوية، تُشبه مفردات صعبة تعلّمت نطقها بصعوبة؛ طاغية، جبروت، بطش. منى زكي، شرّعت لي الباب لأدخل عالم "ثومة"، تماماً كما عرّفتني سعاد حسني طفلاً، قبل عشرين عاماً.

"السِّت" امتحان سينمائي
يدخل فيلم "السِّت" منطقة شديدة الحساسية: كيف يمكن للسينما أن تلمس أسطورة من دون أن تجرحها، وأن تعيد تقديمها من دون أن تختزلها؟ في هذا الامتحان، تطلّ منى زكي؛ جسد يحاول احتواء طاقة هائلة. لا تقلّد أم كلثوم، ولا تتخفّى خلفها. تصاحبها، كأنّها تمشي إلى جانبها، خطوة بخطوة، مدركة أنّ المسافة بين الأداء والتقمّص يجب أن تبقى مفتوحة، كي يتنفّس الخيال.

 

منى زكي في دور أم كلثوم.

منى زكي في دور أم كلثوم.

 

أداؤها متماسك، صلب، ومدروس. لا يبحث عن الاستعراض، ولكن عن تلك السيطرة الهادئة. في نظراتها ووقفاتها، في صمتها، وفي الطريقة التي تشغل بها الفراغ من حولها، نلمح امرأة تعرف تماماً من تكون، وتعرف وزن اسمها، وتأثير حضورها. هذه ليست أم كلثوم "المتواضعة" ولا "الضحية"، بل امرأة تمسك زمام عالمها، وتدير علاقاتها، وفنها، ومكانتها بوعي كامل. ربّما لا تجوز المقارنة بمسلسل "السندريلا" (2006) لاختلاف جوهري بين شخصيّتي سعاد حسني وأم كلثوم، وبين ظروف الإنتاج قبل عشرين عاماً، غير أنّ تجربة منى زكي قد نضجت، وأُصقلت، واكتسبت أبعاداً جديدة.

لا يقدّم الفيلم كوكب الشرق كما تفعل السيرة الخطّية، إنّما كجُملة حالات متجاورة: أم كلثوم في لحظة مجد، وأخرى في لحظة قلق، وثالثة في وحدةٍ داخل قصرها. هذا التقطيع الزمني يخدم فكرة أساسية، قوامها أنّ في كينونة أم كلثوم شخصيات متعددة، تتبدّل من دون أن تفقد جوهرها. وهنا تكمن قوة أداء منى زكي، التي لا تثبّت الشخصية في قالب واحد، إنّما تتركها تتحرّك، تتبدّل، وتتصلّب حين يلزم.

سينما بلا نميمة
الأهم أنّ الفيلم يلتقط جوهر "ثومة" الطفلة التي تحوّلت كوكباً، ويُفكّك "أم كلثوم" امرأة السلطة في زمن لم يكن يسمح للنساء بالكثير. يُقدّمها مؤلّف العمل أحمد مراد كصاحبة قرار ورمز وطني وشخصية تعرف كيف تفاوض، وكيف تفرض شروطها، والأهم، كيف انفتحت على طلائع الحركة النسوية في مصر. ينقل المخرج مروان حامد هذه السلطة من دون خطاب مباشر، إنّما عبر الإيماءة والنبرة، والأهم، عبر الاقتصاد في الانفعال. لا يتغذّى الفيلم على النميمة ولا على الفضائح؛ يُوظّف مثلث الوحدة والقلق والمرض في خدمة الحبكة، ومع ذلك لا ينزلق نحو الثرثرة. لا تنثر منى زكي دموعاً، ولا تنكسر بميلودراما تُغرق "السِّت" في المواجع... أم كلثوم، في نهاية المطاف، لم تستعطِ الشفقة.

 

منى زكي وأحمد مراد في كواليس “السِّت“. (فايسبوك)

منى زكي وأحمد مراد في كواليس “السِّت“. (فايسبوك)

 

يُحسب للعمل أنّه لم يُحاول أن يفسّر أم كلثوم تفسيراً نهائياً، وإلا لكان - ربما - قد أُصيب في بنيته بشيء من الهشاشة التي تُحتّمها المماطلة و"الحشو". يتركها مفتوحة، عصيّة على الامتلاك، كما كانت دائماً. وهذا ربما أجمل ما في التجربة: أن يخرج المشاهد وهو يشعر أن ساعتين ونصف ساعة لا تكفيان، تماماً كما لا تكفي أغنية واحدة لفهم صوتٍ تجاوز الطبيعة، واستقرّ في ما يشبه المطلق.

شخصياً، لم أفهم (بل فهمت؟) الحملات التي شُنّت على العمل حتى قبل بدء عرضه. منى زكي جسّدت شخصية أم كلثوم بحرفيّة لا بكاريكاتورية، والفيلم لم يمسّ بأيّ شكل الصورة الطوباوية لكوكب الشرق بل شدّد على دورها في سنوات المجهود الحربي، حتى إنك تُغادر صالة العرض وأنت تقول: "قضيت عمراً أستورد نجوماً، ولسمائي كوكبها!".

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق