العملة الجديدة ومعركة الدولة: هجوم اقتصادي يعيد رسم الجغرافيا السياسية السورية - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العملة الجديدة ومعركة الدولة: هجوم اقتصادي يعيد رسم الجغرافيا السياسية السورية - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 04:43 مساءً

نزيه الخياط *

ليست العملة مجرّد أداة تبادل أو وسيلة دفع، بل هي أحد أكثر تجليات السيادة كثافةً واختزالًا لمعنى الدولة. ففي اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، لا يُقاس وزن العملة بقيمتها الاسمية أو بسعر صرفها فقط، بل بقدرتها على توحيد المجال الاقتصادي، وإعادة إنتاج الشرعية، وفرض منطق الدولة في مواجهة التفكك. من هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى إصدار عملة سورية جديدة بوصفه إجراء نقدياً تقنياً معزولاً، بل كفعل سياسي–اقتصادي مركزي يندرج في صلب معركة الدولة السورية لاستعادة وحدتها، وإعادة رسم جغرافيتها السياسية عبر أدوات الاقتصاد لا السلاح.

أولاً: الاقتصاد بوصفه مجالًا للسيادة لا إدارةً للأزمات

على امتداد سنوات الصراع، جرى التعامل مع الاقتصاد السوري باعتباره ملفاً لإدارة الانهيار وتدوير الخسائر، لا كأداة استراتيجية لإعادة بناء الدولة. هذا المنظور الاختزالي حوّل السياسة النقدية إلى ممارسة دفاعية، في حين تُظهر تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن الاقتصاد هو الحقل الأول الذي تُستعاد فيه الدولة بوصفها سلطة جامعة. ففي ظل التفكك السياسي وتعدد مراكز النفوذ، تصبح القدرة على توحيد السوق، وضبط الكتلة النقدية، وفرض قواعد مالية موحّدة بمثابة إعادة ترسيم غير معلن للسيادة.

من هنا، تكتسب السلطة النقدية السورية أهمية تتجاوز بعدها التقني، لتغدو أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، وبين الدولة والمجتمع، على أساس القاعدة الاقتصادية المشتركة.

ثانياً: السلطة النقدية كنواة لإعادة بناء الدولة

لا يمكن الحديث عن إعادة بناء الدولة السورية من دون إعادة تعريف دور البنك المركزي. فالمطلوب اليوم ليس مجرد استعادة أدوات السياسة النقدية التقليدية، بل تحويلها إلى رافعة لإعادة الانضباط الاقتصادي. إن توحيد النظام المالي، وضبط حركة الأموال، وإعادة الاعتبار للعملة الوطنية، تشكّل شروطاً أولية لأي مشروع دولة حديثة.

في هذا السياق، تلعب السلطة النقدية دور المنسّق بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، بما يسمح بإنهاء اقتصاد الامتيازات والاستثناءات، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، وربط النشاط الاقتصادي بقواعد شفافة لا بولاءات سياسية أو أمنية. وبهذا المعنى، يتحول الاقتصاد من ساحة للفوضى المنظمة إلى أداة لإعادة بناء الثقة العامة.

ثالثاً: من تفكيك منظومة الفساد إلى بناء الإدارة الحديثة

لم يكن الفساد في التجربة السورية مجرد خلل إداري عابر، بل شكّل نمط حكم قائماً بذاته، وآلية لإدارة الموارد والولاءات في آن واحد. لذلك، فإن أي محاولة جادة لإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح من دون تفكيك هذه المنظومة، لا عبر المحاسبة الفردية فقط، بل من خلال إعادة هندسة النظام المالي والإداري برمّته.

تتيح السياسة النقدية، إذا ما أُحسن توظيفها، تضييق مساحات اقتصاد الظل، وضبط حركة المال العام، وربط الأجور والإنتاجية بالمعايير المهنية. كما أن رقمنة الإدارة، وضبط الإنفاق، وربط التمويل بالأداء، تمثل خطوات ضرورية للانتقال من دولة الريع والوساطات إلى دولة المؤسسات والكفاءة.

رابعاً: اللامركزية الإدارية ضمن وحدة السيادة

يفرض الواقع السوري مقاربة دقيقة لمسألة اللامركزية، تميّز بوضوح بين تفويض إداري يعزز الكفاءة، وتفكيك سياسي يهدد وحدة الدولة. فاللامركزية المنشودة ليست مدخلًا لإعادة إنتاج الكيانات المناطقية، بل إطار لإدارة أكثر فاعلية للخدمات والتنمية، ضمن سيادة مالية ونقدية مركزية غير قابلة للتجزئة.

إن تطوير قانون الإدارة المحلية على هذا الأساس يتيح إشراك المحافظات في القرار التنموي، من دون المساس بوحدة السوق أو بتماسك الدولة. كما يفتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع عبر التمثيل المنتخب، بما يعيد دمج المكونات المختلفة في الدولة بدل دفعها نحو بدائل جغرافية أو هوياتية.

خامساً: العملة الجديدة كحدث سيادي مفصلي

إصدار عملة جديدة ليس فعلاً إدارياً محايداً، بل حدث سيادي بامتياز. فالعملة تختزل في رمزيتها العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتمثل عقد ثقة لا يقوم إلا بوجود سلطة قادرة على فرض القواعد وضمان الحد الأدنى من الاستقرار. في الحالة السورية، يشكّل هذا الاستحقاق قطعاً مع اقتصاد الحرب، ومحاولة لإعادة ضبط المجال النقدي الذي تآكل بفعل التضخم والتعدد النقدي.

غير أن نجاح العملة الجديدة لا يرتبط بشكلها أو تصميمها، بل بقدرتها على إعادة توحيد السوق، وضبط الكتلة النقدية، وبناء ثقة تدريجية بين الدولة والمواطن. فهي ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لإعادة تأسيس الإطار الاقتصادي الذي يمكن للدولة أن تعمل ضمنه.

سادساً: تطبيقات عملية لإصدار العملة: تحديث الإدارة والرقابة على الرواتب

مع إصدار العملة الوطنية الجديدة، يكتسب اعتماد عملية السحب الآلي لرواتب موظفي القطاع الحكومي أهمية قصوى، بعد انتهاء مرحلة استبدال العملة القديمة. فهذه الخطوة لا تقتصر على صرف الرواتب بشكل آمن وسلس، بل تمثل انطلاقة مهمة لتحديث قاعدة البيانات الشخصية لجميع الموظفين الحكوميين. كما تسهّل عملية التدقيق والتحقق من عدم وجود ازدواجية في تقاضي الرواتب من وظائف أخرى في مؤسسات القطاع العام، بما يخالف القوانين والتشريعات المرعية الإجراء. وبهذه الطريقة، تتحول السياسة النقدية من أداة مالية بحتة إلى آلية عملية لتعزيز الشفافية، وضمان الإنصاف وربط الرواتب بالوظيفة الفعلية وفق المعايير القانونية.

سابعاً: العملة والجغرافيا السياسية المتشظية

في ظل واقع تتعدد فيه السلطات المحلية وتتباين أنماط السيطرة، تصبح العملة إحدى الأدوات القليلة القادرة على إعادة فرض المركز من دون اللجوء إلى القوة. فالمناطق التي تشهد محاولات لتكريس أشكال من الحكم الذاتي أو الفيدرالية غير التوافقية تعتمد، في جزء كبير من قدرتها على الاستمرار، على أنماط نقدية واقتصادية منفصلة.

إصدار عملة جديدة يعيد ربط الرواتب والتجارة والخدمات بالنظام المالي المركزي، ما يضعف الأسس الاقتصادية للكيانات الموازية، ويُعيد تعريف العلاقة بين هذه المناطق والدولة. وبهذا المعنى، تمثل السياسة النقدية شكلًا من أشكال الهجوم الاقتصادي الشرعي، القادر على إعادة تشكيل الواقع السياسي عبر أدوات السوق.

ثامناً: التداعيات السياسية والاجتماعية لإعادة التوحيد النقدي

لا تقتصر آثار العملة الجديدة على البعد الاقتصادي، بل تمتد إلى المجالين السياسي والاجتماعي، إذ يؤدي فقدان القدرة على إدارة نظام نقدي مستقل إلى تآكل خطاب الحكم الذاتي، وخلق ضغوط داخلية متزايدة باتجاه إعادة الاندماج في الدولة. كما أن الانعكاسات المعيشية للعزلة النقدية تدفع شرائح واسعة من السكان إلى إعادة تقييم مواقفها، والبحث عن الاستقرار الذي لا توفره إلا الدولة المركزية.

في هذا السياق، تتحول العملة من أداة مالية إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل الوعي السياسي، عبر ربط الاستقرار اليومي بالانتماء إلى المجال الوطني المشترك.

خاتمة

تُظهر التجربة السورية أن معركة الدولة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُدار أيضًا عبر الاقتصاد، وفي قلبه السياسة النقدية. فالعملة الجديدة ليست حلاً سحرياً لكل الأزمات، لكنها تمثل مدخلاً سيادياً لإعادة توحيد المجال الوطني، وتفكيك اقتصاد الحرب، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على تنظيم التعدد وضمان الاستقرار.

حين تصبح العملة واحدة، والسوق واحدة، والقواعد واحدة، تصبح عودة الدولة ممكنة، لا كشعار سياسي، بل كحقيقة اقتصادية واجتماعية ملموسة.

*أكاديمي وباحث في الشؤون الجيوسياسية 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق