نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مهرجان الكُتّاب والقُرّاء في الطائف يعيد تعريف الثقافة - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 02:02 مساءً
لا يوجد اتفاق حول تعريف الثقافة، لكنها، بحسب ماثيو أرنولد، هي "أفضل ما توصّل إليه البشر من طرق التفكير"؛ أي هي كلّ فكرة أو أداة اكتشفها الإنسان كي يصنع نسخة أفضل من ذاته ومن الوجود حوله. مثلما هي نظام شامل لمكتسبات الإنسان كي يرتقي بغرائزه وقيمه وتقاليده ويسمو بروحه ويعبر عن ذلك المشترك الإنساني بين جميع البشر.
كلّ ما سبق توفّر بجلاء في مهرجان "الكُتّاب والقرّاء" في دورته الثالثة التي انتهت أخيراً وحملت شعار "الطائف مدينة الأدب"، مثلما هي أيضاً مدينة الورد وتراث وحكايات الأجداد. فالمهرجان ليس حدثاً عادياً ولا معرضاً تقليدياً للكتاب يمر الزوار بين أروقته شاردين أو يطالعون أغلفة وأسعار الكتب وسط الفوضى وطبقات الغبار لأنه فضاء أكثر ثراء وتركيباً من فكرة عرض الكتب للبيع توازياً مع بعض الأنشطة الترفيهية والخدمية؛ بل تكمن قيمته في نسف التصور التقليدي الذي درجت عليه معارض الكتب العربية طوال أكثر من نصف قرن وتشكيل فضاءات مغايرة تتجه صوب المستقبل وتوظف الخيال وتقنيات الذكاء الاصطناعي لربط المعرفة بالمتعة ورحلة الاستكشاف بالمعلومة.
لعب وتمرد
في مهرجان "الكُتاب والقراء" يتمرّد الكتاب نفسه على حضوره الروتيني من مجرد أوراق مرقمة بين دفتين، ليصبح لعبة في "متاهة" أو "بين الواقع والخيال". أيضاً لا يتسيد الكتاب بوصفه أداة وحيدة للمعرفة بل ينسجم مع عشرات الأدوات الأخرى التي تمرّر الأفكار وتحفز الجمهور على البحث وطرح الأسئلة. وبفضل توفر أجنحة دور النشر السعودية والعربية في الممرات والطرق وليس في صالات مغلقة، أتيح للزوار المرور بجوارها والإطلاع المباشر على أهم العناوين والأغلفة الجذابة.
مهرجان الكُتّاب والقُرّاء في الطائف.
لكن الكتاب لم يعد البطل الرئيسي في الحكاية وإنما أضيفت إليه مصادر وفضاءات موازية لا تقلّ عنه أهمية، مثل العروض المسرحية والموسيقية والألعاب التفاعلية وإعادة تجسيد الأساطير العربية مثل أسطورة الغول والعنقاء.
آلاف الزوار يومياً
لمدة ستة أيام، كانت البوابات الرئيسة تستقبل نحو خمسين أو ستين ألف زائر، وهو رقم قياسي غير مسبوق، ليسوا فقط من شريحة قراء الأدب ومحبي الثقافة، وإنما من كافة الأسر والأطفال والكبار وضيوف المهرجان من المبدعين والنقاد وصناع الحرف اليدوية. هذه الأعداد الهائلة على مدار أسبوع كامل ليست فقط دليل نجاح للمهرجان وإنما هي تعبير صادق عن فلسفة مختلفة تمزج المعرفة والأدب والخيال وروح المتعة في مساحات إبداعية متجاورة.
ربما ينصرف الزائر عن فضاء "الدرب" ليجد نفسه في "صرح محمد الثبيتي" وهو فضاء مخصص للشاعر الكبير حيث يستمع إلى قصيدته ويلمس الرمل ويلتقط زجاجة ماء الورد ويتناول من الأوراق المخفية على الجدار ورقة تخصه وحده ليجد فيها أحد أبيات القصيدة.
مهرجان الكُتّاب والقُرّاء في الطائف.
أكثر من ثمانين فضاء تتيح فنون الفرجة وطرق المعرفة بأساليب مبتكرة، من جناح "هيئة الأدب والنشر والترجمة" إلى "منصة الفن" و"مسرح الشارع"، و"المغامرون الصغار"، و"المتاهة" و"القصائد المعلقة". ليست هذه مجرد أماكن ساكنة ولا خيام ضيقة الحيز وإنما هي ممرات تفاعلية تثير الفضول وتحرض على السؤال وتحفز الخيال وتشجع الكبار والصغار على اللعب والاستمتاع.
فلسفة تفاعلية
أهم ما يميز تلك الفضاءات ليس كثرتها وتنوعها فحسب وإنما فلسفتها التفاعلية التي تحول الجمهور من حالة الركود والتلقي السلبي إلى المشاركة والإيجابية، يستطيع أن يلتقط صورة مع العنقاء، وأن يضع يده في الرمل وهو يسمع قصيدة الثبيتي تحدثه عن الرمل، كما يشارك بنفسه في العروض الأدائية وحل الألغاز وربح الجوائز. انتفت الوصاية على الجمهور ليصبح هو بطل الحكاية يبحث عما يشاء ويتخلى ببساطة عما لا يدخل في نطاق اهتمامه. انتفت أيضاً تلك التناقضات المفتعلة بين المعاني والأشكال والأشياء. فالماضي حاضر والحاضر هو ماضي المستقبل. بمعنى آخر نرى الأساطير العربية القديمة تستعاد بأدوات الذكاء الاصطناعي والماضي يتصالح مع أحلام الزمن القادم، وهنا وهناك يلتقي نص الكاتب السعودي منذر القباني مع أغاثا كريستي وقصيدة أمية بن أبي الصلت مع سخرية الجاحظ ورواية "آلة الزمن" مع حكاية حي بن يقظان.
مهرجان الكُتّاب والقُرّاء في الطائف.
حلّ التجاور والتفاعل محل التضاد، ولم يعد التعبير عن الهوية وتراث الأجداد فعلاً نكوصياً للهروب من المستقبل ومخاوفه وإنما هي قصة البشرية كلها تكمل بعضها بعضاً وتراهن على إمكانية تطوير الوعي وعثور الإنسان على أفضل نسخة من ذاته، وأجمل صيغة لوجوده. كأن الجد الأول للبشرية جاء للتو كي يلتقي طفل المستقبل ويبتسم له. فلماذا يسجن المرء ذاته في سجون الجغرافيا والانقسامات العرقية والمذهبية واللغوية؟
يوتوبيا للمعرفة والمتعة
لا نبعد كثيراً عن الحقيقة إذا ما وصفنا سلسلة فضاءات المهرجان باعتبارها "يوتوبيا" للمتعة والمعرفة واللعب والاكتشاف ليصغي كل زائر إلى إيقاع القصيدة وعطر الورد ويتحسس بيديه منسوجات وحرف الأجداد.
خلف كلّ تلك الألعاب ثمة تحفيز مستمر أو خلق تحديات، فإجابة سؤال ما هي البوصلة لاستمرار الطريق أو فتح باب مغلق أو مغادرة متاهة.
وداعاً للمنصة المتعالية
حتى الصورة النمطية للندوات وتلك المنصة المتعالية التي يجلس عليها الأديب كي يفيض بما يحلو له أمام جمهور صامت في مقاعده تحولت إلى حوار تفاعلي بين قارئ واحد وكاتبه المفضل، وهنا تعتمد اللعبة على إتاحة الفرصة لكل قارئ أن ينضم إلى الكاتب في خلوته ويحاوره بما يشاء من أسئلة ويحدثه بكل ما يدور في نفسه من مشاعر وانطباعات، في حوار أقرب إلى التكافؤ والندية والخصوصة لقرابة عشر دقائق ثم يُسمح بدخول قارئ آخر، في حوار حميم ممتد لمدة ساعتين.
مهرجان الكُتّاب والقُرّاء في الطائف.
أصبح لقاء مبدعين من أجيال مختلفة مثل: عبده خال ويوسف المحيميد وسماهر الضامن وحوراء الهميلي، تجربة تفاعلية لا تُنسى من ذاكرة الطرفين: المحاوِر والمحاوَر. وفي كافة الأنشطة والفضاءات يفتح المهرجان عيونه وحواسه وقلبه على الأطفال، فلم يعودوا يسكنون في الهامش يتحركون متذمرين وهم في قبضة آبائهم وأمهاتهم بل هم المتن والمستقبل يتفاعلون مع كافة الأحداث، يحكون ويرسمون ويضحكون، ليصنعوا بأنفسهم حكايتهم هم، ويكتبون بأيديهم رؤيتهم للمستقبل.
ومثلما انتفى التضاد بين الماضي والحاضر، الهوية والعالمية، انتفت كذلك التناقضات المصطنعة بين أشكال الأدب والفنون المختلفة، فالقصيدة تصبح مسرحية والرواية تغدو متاهة، والحوار يصبح عرضاً أدائيًا من طراز رفيع. لم تعد الكلمة تحيا في جزيرة منعزلة مثلما لم تعد الفنون منفصلة عن أصحابها الحقيقيين طالما بالإمكان أن يصبح كل شيء في متناول العقل والروح بمنطق التفاعل والمشاركة والتجاور وترسيخ التنوع وتأثيث الفضاء على المتعة والمعرفة.
لذلك مهرجان "الكُتاب والقراء" لا يجتر تلك الصيغ التقليدية الدارجة لمعارض الكتب ومهرجانات الثقافة بل هو محاولة جادة ومبتكرة لصناعة مستقبل يتمتع فيه الإنسان ويحظى بكامل حقوقه في المعرفة والمتعة والمحبة والسعادة والأمان.













0 تعليق