ثروة الشّمال الشّرقي السّوري: نفطٌ متآكل وقمحٌ مُسيَّس وماءٌ يُستخدَم كسلاح - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ثروة الشّمال الشّرقي السّوري: نفطٌ متآكل وقمحٌ مُسيَّس وماءٌ يُستخدَم كسلاح - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 06:23 صباحاً

في قلب الاشتباك السوري المتجدد على السلطة والحدود والموارد، يبرز الشمال الشرقي – الأراضي التي تقع شرقي نهر الفرات كلها تقريباً – بوصفه "الخزان" الذي يصعب على أي حكومة في دمشق تجاهله. ليست هذه الرقعة مجرد جغرافيا ذات حضور كردي وازن، بل هي عقدة موارد: نفط وغاز قابلان للتحويل إلى سيولة، وسلة حبوب وقطن كانت عماد الأمن الغذائي السوري، وممرات تجارة وحدود، إضافة إلى مياه الفرات التي يتوقف عليها الري والكهرباء. لذلك لم تكن السيطرة على المنطقة في الأعوام 2011-2024 مجرد مسألة عسكرية، بل اقتصاد حرب كامل: من يسيطر على الحقول والصوامع والسدود يمتلك القدرة على تمويل الإدارة والقتال وتوزيع الخبز والوقود، وبالتالي شراء الولاءات أو فرضها.

 

إحدى آبار النفط في حقل العمر النفطي في ريف محافظة دير الزور، سوريا (إ.ب.أ)

إحدى آبار النفط في حقل العمر النفطي في ريف محافظة دير الزور، سوريا (إ.ب.أ)

 

قبل الحرب، كان النفط السوري يُنتَج بمستويات تقارب 383-400 ألف برميل يومياً، وكانت الحقول الكبرى في الشرق، ولا سيما في دير الزور، من مصادر الدولة الأساسية للعملة الصعبة. ومع تفكك السيطرة المركزية، انتقل النفط من "إيراد دولة" إلى "ريع نزاع": سيطرت عليه أطراف متعاقبة، وتعرضت البنية التحتية إلى التدمير أو الإهمال، وازدهرت ممارسات التكرير البدائي والتهريب. والنتيجة أن أكبر الحقول لم يعد يشبه نفسه: إنتاج حقل العمر الذي قيل إنه بلغ تاريخياً نحو 50 ألف برميل يومياً، تراجع في بعض التقديرات الحديثة إلى بضعة آلاف فقط بسبب نقص الاستثمار وتهالك المعدات. بمعنى آخر، لم تُفقَد الموارد فقط بسبب تغيير السيطرة، بل بسبب تراجع "القدرة" ذاتها على الاستخراج، وهو أثر بعيد الأجل قد يفوق تداعيات المعارك التي تغيّر الخرائط.

الغاز كان بدوره جزءاً من معادلة الطاقة، ولا سيما في مواقع استراتيجية مثل منشأة كونوكو في ريف دير الزور. لكن الحرب، ثم العقوبات، ثم هشاشة شبكة الكهرباء الوطنية، جعلت الغاز أقل ترجمةً إلى منفعة عامة وأكثر ارتباطاً بمن يسيطر على نقاط المعالجة والحماية. وفي بيئة كهذه، يصبح كل موقع طاقة "موقع سيادة" بقدر ما هو موقع اقتصاد: من يسيطر عليه يفاوض به على الكهرباء والوقود والرواتب.

أما الزراعة، فهي ثروة الشمال الشرقي الأكبر أثراً في حياة السوريين. في عام 2011، سُجِّل أن منطقة الجزيرة أنتجت نحو 2.15 مليون طن من القمح، أي ما يقارب 55 في المئة من إجمالي إنتاج سوريا، ونحو 523 ألف طن من القطن، أي قرابة 78 في المئة من الإجمالي. لكن الحرب قلبت المعادلة: تدمير شبكات الري والصوامع، ونزوح اليد العاملة، وصعوبة التمويل والبذار والمازوت، ثم موجات الجفاف والحرارة زادت الضغط على سلة الغذاء. وعندما تتراجع الزراعة، لا ينتج من ذلك نقص غذائي فقط، بل تتوسع سوق "القمح المُسيَّس": نزاع حول من يشتري المحصول، وبأي سعر، ولمصلحة أي سلطة، ومن يسيطر على صوامع التخزين يمتلك "قرار الرغيف".

 

فني يقيس منسوب المياه في سد الثورة (تشرين سابقاً). (أ ف ب)

فني يقيس منسوب المياه في سد الثورة (تشرين سابقاً). (أ ف ب)

 

هذه الثروات كلها تتداخل مع عنصر لا يقل خطورة: الماء. يرتبط مستقبل الزراعة والكهرباء شرقي الفرات بتدفقات النهر المقبلة من تركيا، حيث مشروع جنوب شرقي الأناضول (غاب) الذي يضم 22 سداً و19 محطة كهرومائية وخطط ري واسعة (تُذكَر أرقام تصل إلى 1.8 مليون هكتار). هنا يصبح النزاع السوري جزءاً من جغرافيا أوسع: موارد كردستان الجغرافية الممتدة عبر سوريا وتركيا والعراق وإيران، حيث النفط والغاز والمياه والحدود تتقاطع مع نزاعات سيادة مزمنة.

في العراق، تبدو الصورة أوضح بالأرقام: حكومة إقليم كردستان تدير تقديراً نحو 45 مليار برميل من الاحتياطي، لكن جهات دولية مثل إدارة معلومات الطاقة الأميركية تشير إلى أن هذه الأرقام قد تتضمن موارد غير مثبتة ومناطق متنازعاً عليها، بينما تقديرات أخرى تقلّص "الموارد" في المناطق الخاضعة فعلياً إلى السيطرة إلى بضعة مليارات. لكن النفط يظل هو ركيزة الاقتصاد السياسي في الإقليم، بل إن توقف صادراته عبر تركيا بين عامي 2023 و2025 كلّف الإقليم – وفق تصريحات قيادات كردية – خسائر بعشرات المليارات، ما يوضح كيف يمكن لنزاع سياسي-قانوني أن يعطّل مورداً يُفترَض أنه مضمون.

في تركيا، تبرز مفارقة مزدوجة: جنوب شرقي البلاد الكردي هو خزان مياه وسدود يمنح أنقرة نفوذاً إقليمياً على سوريا والعراق، وهو أيضاً مصدر متنامٍ في إنتاج النفط المحلي (مثل حوض غابار) مع تقديرات طموحة لبعض الأحواض. لكن نزاع الدولة مع حزب العمال الكردستاني جعل التنمية والموارد جزءاً من معادلة أمنية بامتياز. وفي إيران، يقلّ الوضوح في الأرقام العلنية الخاصة بالمناطق الكردية الغربية، إلا أن نمط "التنمية تحت ضغط العقوبات والأمن" يجعل الموارد هناك أقل شفافية وأكثر خضوعاً إلى منطق المركز وحدوده.

خلاصة المشهد أن موارد الشمال الشرقي السوري ليست مجرد "غنيمة" محلية، بل حلقة في سلسلة أوسع اسمها كردستان الجغرافية: نفطٌ قابل للتسييل لكنه متآكل بفعل الحرب، وزراعةٌ تحمل الأمن الغذائي لكنها رهينة الماء والسياسة، وممراتٌ وحدودٌ تُحوَّل في أوقات النزاع إلى ضرائب غير رسمية. بين عامي 2011 و2024، لم تغيّر الحرب خريطة السيطرة فقط، بل غيّرت القيمة الفعلية للموارد نفسها، وأعادت تعريفها: من ثروةٍ وطنية إلى اقتصاد نزاع، ومن إنتاجٍ منتظم إلى قدرةٍ متدهورة تحتاج سنوات واستثمارات وحوكمة كي تستعيد معنى "المورد" لا معنى "الريع".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق