لم يكن إرضاء الخارج يوماً طوق نجاة... - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لم يكن إرضاء الخارج يوماً طوق نجاة... - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 11:04 صباحاً

محمد عبد الله فضل الله 

 

 

 

كثيرون يحاولون إرضاء بيئتهم ويجهدون للتكيف معها فيصادرون بالنتيجة دواخلهم وإعمال فكرهم لصالح ضغوطات البيئة المعيوشة بما تصخب من اتجاهات وممارسات دينية وسياسية لا تلبي طموحات الفرد والجماعة، بل تكون عبئاً عليهما.
يتحول هذا الاستسلام للواقع مع مرور الوقت إلى مقياس لمدى خنوع الأمة وخضوعها لضعفها أولاً ولخوفها التي تربت عليه وكأن التسليم للمصير وللخارج بكل ما فيه من عيوب واستغلال هو من يؤمّن لها طوق نجاة وغطاء أمان.
لم يكن يوماً إرضاء توقعات الخارج الديني والسياسي مهما كان شكله وتسمياته إلا قتلاً متعمداً للسجية والطباع والعفوية والبساطة التي تجترح التساؤلات التي على أساسها تكون المعرفة وتتشكل أدواتها كمقدمة ضروروية للتغيير والإصلاح ومن دون ذلك يبقى الانفصال عن الواقع ويظل الانغماس في القشور هو سيد الموقف فيعيش الأتباع على السطح ولا ينفذون إلى عمق الأمور كونهم يفتقدون للوسائل وللشجاعة ولطرائق التفكير الحرة.

faa2_105931.jpg

هنا يكون الثمن كبيراً عندما يتغول الفراغ وتصبح اللغة الخشبية في الخطاب الديني والسياسي تتماشى مع غاياتها ومصالحها الدنيوية على حساب المعنى وإيجاد الحركية في الحياة من خلال العمل على تأسيس الدواخل على قواعد ثابتة وصحية على المستوى الفكري والعقيدي والسياسي النظيف البعيد عن إثارة الغرائز والعصبيات التي تأكل واقعنا وتجعل منا كيانات منفصلة وباردة تلتف حول صنمها لحظة شعورها بالخطر.
لم تكن المسيحية في صفائها كما الإسلام في نقائه يوماً أشكالاً طقوسية لمصادرة حرية الفرد والجماعة أو للاستغلال البشع وتربية الأجيال على الخضوع والتبعية العمياء من دون أدنى تفكير، لا بل بتنا نشهد على جوقة مؤامرات يشترك فيها من يفترض بهم أن يكونوا واجهة دينية مع الواجهات السياسية على تشابك مصالح مادية تعكس حجم الترهل والضعف وتبعث على الاشمئزاز وتظهر مدى الهشاشة في مجتمع يعيش على التقليد الأعمى والتعصب المقيت والتقديس للأشخاص والزعامات من دون وعي التاريخ وحسن قراءة التراث وفي انقطاع تام عن السؤال والفهم.
ليس في الإنجيل كما القرآن إلا ذكراً وحضاً على الخروج الواعي من ذواتنا السطحية المستلبة إلى فضاء التحرر الداخلي والوعي لإمساك كل لحظاتنا والتعامل مع قضايانا بمسؤولية وحكمة في مشاركة جماعية فاعلة تحمي المسار والمصير وتذود عن الحقوق وتحفظ الكرامات وتحترم العقول.
الإيمان المسيحي الحقيقي كما الإسلامي يدفعان نحو إقامة حياة عادلة قوامها التعاون على البر والتقوى وتخفيف الأثقال عن كاهل الفقراء والمحرومين ودفع الفتنة ومحاربة الظلم والاحتكار والاستغلال واستعباد الناس وسرقة المال العام.
لم يكن الإيمان يوماً تجميلاً لواقع مريض أو تستراً على عيوب المجتمع وعلله فهذا خلف الجوهر الإيماني الذي لا يقبل لغة الامتيازات ولا منطق الغلبة ولاستكبار ولا التعصب والجهل وتزييف الوقائع.
فالمسيح ومحمد قامتان جسدتا جوهر الإيمان بالعمل والسلوك والموقف والحركة في الحياة ولا يقبلا في ساحتهما إنساناً مزيفاً مستغلاً أو يسعى إلى تخريب العقول ومصادرة الحرية وتسميم الفضاء المعرفي والإنساني بالترهات والسخافات وبالطقوس الخاوية.
المحبة كما العدل مدخلان لا بد منهما لولوج كتاب المسيح ومشاركته لحظاته كما كتاب محمد ومشاركته سيرته ولحظاته وفي مقارعتهما لكل بنى التسلط والاستغلال المادي والديني والسياسي.
ما لم تتغير روحية الفرد والجماعة من الداخل وتخلق ذواتاً حرة منعتقة من الحزبية والطائفية والمذهبية تتوسل المحاسبة والسؤال الحي وتتربى على ثقافة التواصل والتعاون وقبول الآخر فلن يحصل أي تغيير وسيبقى مسلسل النفاق والجهل والاستغلال قائماً تتجدد حلقاته وتشهد على تراجيديا كونية. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق