نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
1970 عراقياً و2025 سورياً: نكبة "الربيع الكردي" بين آذارين - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 06:23 صباحاً
بالرغم من التباعد الزمني والجغرافي، يشترك كلا الاتفاقين في كونهما نتاجاً لموازين قوى عسكرية فرضت على الأنظمة الحاكمة في بغداد ودمشق القبول بتنازلات جوهرية، وفي مصير الانهيار الذي أدى إلى خسارات استراتيجية وديموغرافية جسيمة للشعب الكردي.
السياق التاريخي والدوافع الاستراتيجية لاتفاق 11 آذار 1970 في العراق
جاء بيان 11 آذار 1970 استجابة مباشرة لعقد من الكفاح المسلح، قادته الحركة الكردية برئاسة الملا مصطفى البارزاني ضد الأنظمة المتعاقبة في بغداد منذ عام 1961. كان نظام البعث العراقي الذي استولى على السلطة في تموز/يوليو 1968 يواجه تحديات وجودية، تتمثل في عدم استقرار شرعيته الداخلية، والنزاع الحدودي المتصاعد مع إيران، واستنزاف موارد الدولة في حرب عصابات جبلية لم تكن تلوح في الأفق نهاية عسكرية لها.
رأى حزب البعث، بقيادة أحمد حسن البكر ونائبه صدام حسين، حينها أن تقديم الوعود بالحكم الذاتي للكرد سيؤدي إلى تحييد الجبهة الداخلية، ما يسمح للنظام بالتركيز على تصفية خصومه السياسيين وتعزيز قدراته العسكرية لمواجهة التهديدات الخارجية. من منظور الحركة الكردية، كان الاتفاق نصراً تاريخياً واعترافاً قانونياً بأن الشعب العراقي يتكون من قوميتين رئيسيتين، وهذا مثل تحولاً جوهرياً في بنية الدولة العراقية منذ تأسيسها.
انهيار تجربة العراق: من المماطلة إلى اتفاقية الجزائر 1975
بالرغم من الزخم الذي ولده الاتفاق، فإن فترة التنفيذ التي حددت بأربع سنوات شهدت تنصلاً تدريجياً من الالتزامات الجوهرية. تمثلت ">نقطة الخلاف المركزية في حدود منطقة الحكم الذاتي، وتحديداً وضع مدينة كركوك الغنية بالنفط. رفض النظام العراقي شمول كركوك في المنطقة الكردية، وشنّ حملات تعريب واسعة وتغيير ديموغرافي ممنهج، حيث أعاد تسمية المحافظة لتصبح "التأميم".
في عام 1974، أصدرت الحكومة العراقية قانون الحكم الذاتي بشكل أحادي، متجاهلة التوافق مع القيادة الكردية، ما أدى إلى تجدد القتال. مع ذلك، ما كان العامل الحاسم في انهيار الحركة الكردية داخلياً فحسب، بل كان جيوسياسياً. ففي 6 آذار/مارس 1975، وقع العراق وإيران "اتفاقية الجزائر" برعاية الرئيس هواري بومدين، تنازل بموجبها صدام حسين عن حقوق العراق في شط العرب، مقابل وقف إيران دعمها العسكري واللوجستي للكرد.
ترتب على هذا الاتفاق نتائج كارثية للكرد: توقف الدعم الإيراني فجأة، ووجد المقاتلون الكرد أنفسهم محاصرين، ما أدى إلى انهيار الثورة الكردية في أسابيع قليلة. تصف القيادات الكردية هذا التحول بأنه "خيانة دولية" كبرى، استخدمت القضية الكردية فيها ورقة مساومة لتحقيق مصالح إقليمية.
مدافن قتلى حلبجة العراقية من الأكراد. (رويترز)
السياق السوري 2025: اتفاق 10 آذار وبزوغ "سوريا الجديدة"
تكرر ">المشهد في سوريا بعد عقود، لكن في سياق انهيار شامل للدولة السورية. بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، برزت حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع. واجهت هذه الحكومة واقعاً ميدانياً يتمثل في سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على ثلث مساحة البلاد تقريباً، بما في ذلك حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية الحيوية.
في 10 آذار 2025، وقع الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي اتفاقاً برعاية أميركية، يهدف إلى إنهاء ازدواجية السلطة العسكرية والإدارية. تميز هذا الاتفاق بكونه محاولة لدمج الكرد في هيكل الدولة "الجديدة" بوصفهم شركاء وطنيين، مع التزام مبدأ وحدة الأراضي السورية.
تضمن الاتفاق التزام سيادة سوريا ووحدة أراضيها وعلم واحد وعاصمة واحدة، ودمج "قسد" في وزارة الدفاع السورية والمؤسسات المدنية في الهياكل الوطنية بحلول نهاية 2025، وضمان الحقوق الدستورية والثقافية واللغوية للكرد كمكون أصيل، وتقاسم الموارد الطبيعية (النفط والغاز) بشكل عادل تحت إدارة الدولة المركزية، والاعتراف بنوع من "اللامركزية الإدارية" في المناطق ذات الأغلبية الكردية.
ومثلما حدث في العراق، واجه اتفاق 10 آذار 2025 عقبات بنيوية تتعلق بتفسير "الاندماج". أصرت القيادة الكردية على الحفاظ على هيكلية "قسد" ووحداتها العسكرية داخل الجيش السوري، وطالبت باعتراف كامل بـ "الإدارة الذاتية" كنموذج إداري دائم. في المقابل، رأت حكومة الشرع، المدعومة من تركيا، أن هذه المطالب "تمثل نزعة انفصالية وتعيق توحيد المؤسسات السيادية".
بحلول آب/أغسطس 2025، بدأت الهدنة في الانهيار مع اتهامات متبادلة بخرق الاتفاق. اتهمت "قسد" الحكومة بشن هجمات في دير الزور ومحاولة التقدم نحو حقول النفط، بينما اتهمت دمشق الكرد بتنظيم مؤتمرات "انفصالية" في الحسكة تهدف لتدويل القضية وإعادة فرض العقوبات. بلغت الأزمة ذروتها في كانون الأول 2025 مع اندلاع اشتباكات عنيفة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، ما أدى إلى حصارهما ونزوح الآلاف من سكانها الكرد.
مقاتلات من قوات سوريا الديموقراطية يتمركزن في مدينة الحسكة شمال شرق سوريا. (أ ف ب)
اتفاق 18 كانون الثاني 2026: الاندماج القسري وتفكيك "قسد"
أدت الهزائم العسكرية المتلاحقة وفقدان السيطرة على حقول النفط في دير الزور والطبقة إلى إضعاف الموقف التفاوضي الكردي بشكل جذري. وتحت ضغط عسكري سوري وتنسيق أميركي – إقليمي، وقّع عبدي في 18 كانون الثاني/يناير 2026 اتفاقاً جديداً مكوناً من 14 بنداً، يمثل في جوهره استسلاماً لمطالب الدولة المركزية مقابل ضمانات ثقافية ومدنية محدودة.
فرض هذا الاتفاق واقعاً جديداً يُنهي تجربة "الإدارة الذاتية" بصيغتها السابقة. حيث تضمن:
الاندماج "الفردي" لعناصر "قسد" في وزارتي الدفاع والداخلية، وهذا يعني تفكيك الوحدات الكردية المستقلة تماماً. تسليم كامل للإدارة المدنية والعسكرية في دير الزور والرقة للدولة السورية. استعادة الحكومة للسيطرة على حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية وتأمينها بقوات نظامية. إخراج جميع المقاتلين غير السوريين التابعين لحزب العمال الكردستاني، وهذا مطلب تركي جوهري أُدرج في الاتفاق لضمان الاستقرار الإقليمي.
في المقابل، أصدر الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026، منح بموجبه الكرد حقوقاً كانت من المحرمات في عهد البعث: منح الجنسية لعديمي الجنسية (مكتومي القيد)، والاعتراف باللغة الكردية لغة وطنية، واعتبار النوروز عطلة رسمية. وبالرغم من أهمية هذه الخطوات، فإن الأوساط الكردية وصفتها بأنها "ثمن زهيد" مقابل خسارة الكيان السياسي والعسكري المستقل.
الأيديولوجيا والجغرافيا والتدخل الدولي
تظهر المقارنة بين تجربتي 1970 و2025 تشابهاً مذهلاً في ديناميكيات الصراع بين الكرد والأنظمة المركزية في المشرق العربي.
- الصراع على الموارد والجغرافيا
في العراق، كانت كركوك "">قدس الكرد" وعقدة المنشار التي أفشلت الاتفاق: رفضت بغداد منح الكرد السيطرة على النفط. وبالمثل في سوريا، كانت حقول العمر وكونوكو والسيطرة على وادي الفرات هي المحرك الرئيسي لهجوم الجيش السوري، إذ رأى الشرع أن بقاء هذه الموارد بيد الكرد يمنع قيام دولة سورية موحدة ومستقرة اقتصادياً.
- التحول الأيديولوجي للأنظمة الحاكمة
رأى نظام البعث في العراق في الخصوصية الكردية تهديداً لـ "أهداف الأمة العربية". أما النظام الجديد في سوريا، فهو خليط من التوجهات الإسلامية "المعتدلة" والبراغماتية السياسية التي تحاول بناء هوية وطنية سورية جديدة تشمل الكرد كمواطنين، مع رفض قاطع لأي صيغة "فيدرالية" أو "كونفدرالية".
- دور القوى العظمى والمغامرة الكردية
في عام 1975، تخلى وزير الخرجية الأميركي هنري كيسنجر عن الكرد بمجرد توصل الشاه وصدام لاتفاق، ما ترك الحركة الكردية عرضة للإبادة. وفي عام 2026، وبالرغم من الدعم العسكري الأميركي الطويل لـ "قسد" في الحرب ضد "داعش"، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب وإرادة مبعوثه توم برّاك فضلتا في النهاية التوصل إلى "اتفاق أمني" يضمن تنسيق المصالح مع تركيا وإسرائيل، ما أجبر الكرد على قبول شروط الاندماج القاسية.
خسائر إنسانية وديموغرافية
أدى انهيار الاتفاقيات في الحالتين إلى تغيير ملامح الوجود الكردي في المنطقة.
الخسائر في التجربة العراقية (1975 وما بعدها)
- انهيار عسكري كامل: فقدان القوة القتالية لـ "البيشمركة" واضطرار القيادة للجوء.
- التغيير الديموغرافي: تهجير مئات الآلاف من القرى الحدودية وإنشاء "أحزمة تعريب" في كركوك وخانقين.
- خسارة الموارد: سيطرة المركز الكاملة على الثروة النفطية وتهميش المنطقة الكردية اقتصادياً لعقود.
الخسائر في التجربة السورية (2025-2026)
- فقدان الأرض: خسر الكرد سيطرتهم على نحو 70% من المناطق التي كانت تحت نفوذهم، وتقلص وجودهم في مناطق استراتيجية مثل الرقة ودير الزور والطبقة.
- النزوح القسري: نزوح أكثر من 150,000 كردي من حلب وحدها، وتهجير سكاني محتمل من مناطق مثل كوباني (عين العرب) التي أصبحت تحاصرها القوات الحكومية.
- تفكيك الهوية العسكرية: تحول "قسد" من جيش منظم يحكم منطقة شاسعة إلى أفراد مندمجين في جيش وطني تسيطر عليه عقلية مركزية.
القاسم المشترك يبقى أن القضية الكردية تظل رهينة "الجغرافيا السياسية اللعينة". ففي الحالتين، كان الكرد قوة ميدانية لا يمكن تجاوزها في أوقات ضعف المركز. لكن، بمجرد استعادة الدولة عافيتها أو توصل القوى الإقليمية لتفاهمات، يتم التضحية بالمكاسب الكردية لصالح "السيادة الوطنية" و"الاستقرار الإقليمي".
وبالرغم من أن اتفاق 2026 في سوريا منح الكرد بعض الحقوق الثقافية والمدنية التي حُرموا منها عقوداً (مثل اللغة والجنسية)، فإن الثمن كان تفكيك مشروعهم "الإدارة الذاتية" والقبول بالاندماج في دولة مركزية لا تزال معالمها الديموقراطية غير واضحة. وتبقى تجربة 1975 في العراق شاهداً تاريخياً على أن غياب الضمانات الدولية الملزمة يحول الاتفاقات السياسية إلى "مجرد ورق" في مواجهة موازين القوى المتغيرة، وهو الدرس الذي يبدو أن كرد سوريا يواجهونه اليوم.
تعد المسألة الكردية في الشرق الأوسط واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في التاريخ الحديث، حيث تداخلت فيها طموحات الهوية القومية مع صراعات النفوذ الإقليمي والدولي. ويمثل اتفاقا 11 آذار 1970 في العراق و10 آذار 2025 في سوريا محطتين تاريخيتين حاول من خلالهما الفاعلون الكرد تثبيت حقوقهم السياسية والإدارية ضمن هياكل الدولتين المركزية.










0 تعليق