مدن كردستان تغلي حتى اسطنبول... هزيمة الكرد أم خسارة الفرصة؟ - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مدن كردستان تغلي حتى اسطنبول... هزيمة الكرد أم خسارة الفرصة؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 06:23 صباحاً

سركوت حجي

 

بالفعل، تقلّصت مساحات سيطرة قوات سوريا الديموقراطية "قسد" على الخريطة السورية، لكن كثيراً من الكرد وأصدقائهم لا يعبؤون بخسائر الجغرافيا مقابل ما يعتبرونه "خسارة الفرصة" وضرائب غير متوقعة قد تفاجئ كثيراً من "المحتفلين".

و"قسد" واحدة من تمظهرات وتطورات القضية الكردية الممتدة منذ نحو قرن، لكنها وبمراجعة التجارب السابقة والراهنة، تبدو من بين الأكثر "تقدميةً" لجهة جرأتها على كسر تابوات كلاسيكية كردية قديمة والمضي بأفكار يصعب على قوى كردية أخرى أن تواجه الجمهور بها.

التجربة الجريئة
وفي العراق مثلاً، التجربة الأقرب على مستوى التاريخ والجغرافيا، ما زالت الأحزاب الكردية الكبرى بيمينها ويسارها تحمل الأسماء والأفكار القومية القديمة المشابهة للنماذج العروبية المندثرة، بما فيها الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية، وشريكه الحزب الديموقراطي الكردستاني. وحتى حزب العمال الكردستاني الذي وُلدت "قسد" من أجوائه بقي محتفظاً باسمه القديم رغم يساريته المعلنة. وما زال السياسي الكردي مضطراً للتحفظ في التعبير عن نفسه كعراقي، خشية الاستهدافات الشعبوية واليمينية، وهو ما يظهر بالطبع على سلوك الأحزاب الشيعية التي تسابقت مؤخراً على إضافة عبارات "الشيعي" إلى أسمائها، لكن تجربة "قسد" شطبت -بكثير من جهد التنظير العميق والجرأة- التسمية القومية وأحلت بدلها فكرة "الشعوب" ورفعت الصوت من أجل حقوق للكرد داخل الوطن الكبير بدل البحث عن دولة قومية جديدة في المنطقة تدخل فيما دخلت فيه بقية التجارب القومية السالفة، وهي بذلك تتجرأ على مواجهة الأحلام الشعبية وتضع نفسها في مرمى التخوين اليسير.

وقبل "قسد".. يتبنى حزب العمال الكردستاني "بي كي كي" بالفعل فكرة "الشعوب الديموقراطية" كبديل عن الدول القومية، ويطالب بحقوق فيدرالية للأقوام المتنوعة، لكن "قوات سوريا الديمقراطية" مثلت تجربة واحدة وفريدة وقصيرة لما خطّه منظرو "بي كي كي" على الورق منذ الثمانينات.

 

العلم الكردي تحت قلعة أريبل بكردستان العراق (أ ف ب)

العلم الكردي تحت قلعة أريبل بكردستان العراق (أ ف ب)

 

الجنرال كان يبتعد عن قنديل
وواجهت "قسد" طيلة سنوات اتهامات بالتبعية إلى جهات كردية غير سورية، في إشارة إلى الجماعات الكردية التي تتحصن بسلاسل جبال قنديل ومقترباتها على المثلث العراقي- التركي- الإيراني، لكن الجنرال مظلوم عبدي أظهر في بعض المراحل ميلاً نحو البحث عن مسافة استقلال نسبي في قرار وفق مصالح "كرد سوريا أولاً"، مستنداً إلى كل الأحبار التي سالت في التنظير لفكرة "الشعوب الديموقراطية".

وطيلة خمسة عقود وأكثر، حُرمت مجتمعات كردية كاملة في سوريا من حقوقها، بدعوى أنهم غير سوريين، بل ينحدرون من كرد تركيا، ورغم أن ادعاءات الحكومات ليست معياراً لمدى سوريّة المرء من عدمها، لكن عبدي كان مواطناً سورياً "كامل الأهلية ودون شبهة" حتى وفق "مساطر" حكومات البعث، ولذا فقد كان مرشحاً بالتدريج لبناء نموذجه الكردي السوري الخاص الذي لم يكن مضطراً فيه للتطابق تماماً مع حسابات قنديل.

وأجرى عبدي مطلع العام 2025 زيارة وُصفت بالتاريخية إلى أربيل، العاصمة المعروفة بخلافها مع كثير من سياسات "حزب العمال الكردستاني" الذي يُحسب عبدي على أنصاره، وفهم كثيرون تحركات عبدي بأنها على نحو واضح، محاولة لتنويع النماذج التي يُمكن للكرد أن يعتمدوها دون الاقتصار على أفكار "قنديل".

 

بنادق محبطة
واستندت تجربة "سوريا الديموقراطية" إلى تحالف بين قبائل عربية وكردية ومجتمعات مسيحية لبناء قوات عسكرية قاتلت "داعش" واستعادت المدن، ثم تطورت التجربة وظهرت أول إدارة ذاتية مدنية متنوعة، أدارت طيلة عشر سنوات المنطقة الغنية بالتنوع والثروة، وتمكن الجميع بالفعل من الحفاظ على مساحة بحجم ثلث سوريا خاليةً من سلطات البعث وكذلك من الانفلات أو الجماعات المتشددة.

ورغم شدة البأس التي أظهرها مقاتلو "قسد" طيلة سنوات قتال تنظيم داعش، إلا أن البرود والإحباط كان واضحاً بين صفوف المقاتلين وقادتهم في التعامل مع الهجمات الأخيرة التي شنتها قوات دمشق، فالأخيرة لم تسيطر بجحافلها على مناطق سيطرة "قسد" بادئ الأمر، بل اعتمدت على انشقاق القوات العربية داخل "قسد" فور اقتراب قوات دمشق من ضفة الفرات الغربية.

مثّل الإخفاق في التوصل إلى اتفاق مع سلطات دمشق إحباطاً لجهود سنين حاول خلالها كرد سوريا تقديم نموذج أكثر تقدماً من أقرانهم في المنطقة، وتمكنوا بالفعل من إنشاء أول قوة بمزيج من هذا النوع بين الكرد وجيرانهم من "الشعوب الديموقراطية".

واكتفت بعض قوات "قسد" باشتباكات لحماية بعض المناطق الكردية، أما المناطق العربية فقد جرى تسليمها بالجملة واحدةً تلو الأخرى، وانكفأت القوات المتبقية من "قسد" ومعظمها من المقاتلين الكرد، نحو الحسكة، عاصمة كرد سوريا، وآخر مدينة إلى الشمال الشرقي، بحدودها المفتوحة مع إقليم كردستان العراق.
بعض مما يعنيه هذا..

في هذه الأثناء، تغلي مدن إقليم كردستان العراق وبقية مدن الكرد في تركيا وصولاً إلى اسطنبول، وتتوجه جموع من المتطوعين إلى الحدود السورية في مشاهد رمزية على الأرجح، لكن هذا الغضب قد يقود إلى نتائج ومتغيرات على مستوى التوازن الداخلي. لقد بدت التيارات الداعمة للحوار مع تركيا وإلقاء السلاح في موقف شعبي صعب، وخاصة أن عبدي وقع من أربيل "سايبرياً" مع الرئيس السوري أحمد الشرع على اتفاق قبل أيام من الاجتياح الكبير.

 

"الشعوب الديمقراطية"

وقد يقود انهيار تجربة "الشعوب الديمقراطية" إلى عودة الكرد نحو مزيد من الانغلاق، حيث يُتوقع أن تصب التطورات في صالح الأجنحة الأكثر تشدداً في "قنديل".

وحتى على مستوى إقليم كردستان العراق، لم يكن ما جرى هو أفضل ما تحتاجه أربيل التي بذلت جهوداً لتكون الصورة الأخيرة مختلفة عن ما تنقله الشاشات الآن، وهو ما يفسر السماح بتظاهرات كبيرة أمام القنصلية الأميركية الأكبر في العالم.

ويتذكر الكرد انهيار اتفاق 11 آذار/مارس 1970 مع بغداد، على نحو لا يقل كارثية عما حلّ باتفاق 10 آذار 2025 في دمشق، لكن القضية الكردية لم تتوقف عندها، بل عادت بمستوى أعلى تشدداً وفاقمت "عداد خسائر الجميع" في السنوات اللاحقة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق