الدوري اللبناني على مفترق حاد: قمة محترفة وقاع مهدّد بالزوال - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الدوري اللبناني على مفترق حاد: قمة محترفة وقاع مهدّد بالزوال - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 01:33 صباحاً

يقف الدوري اللبناني لكرة القدم في نسخته الـ66 عند مفترق حاد، فالبطولة تبدو كأنها تجمع موسمين في موسم واحد، كل منهما يعيش واقعه الخاص. في القمة، تتحرك الأندية شبه المحترفة بعقلية واضحة، تخطط، تعزز صفوفها محلياً وأجنبياً، وتتنافس على الألقاب والكأس والمشاركة القارية. أما في القاع، فالواقع مختلف تماماً، أندية تكافح للبقاء، تواجه أزمات مالية وإدارية، وتضطر أحياناً إلى التفريط بلاعبيها لتغطية الاحتياجات الأساسية، ليصبح البقاء صراعاً وجودياً أكثر من كونه تحدياً رياضياً.

ويكشف انطلاق مرحلة الإياب هشاشة النظام بأكمله، مع انسحاب نادي البرج الذي لم يكن مجرد فريق عابر، بل نادٍ له تاريخ وإنجازات وهوية. انسحابه لم يكن نتيجة سوء أداء فني، بل انعكاس لضعف التمويل، وانعدام شبكة حماية للأندية. هذه الأزمة ليست جديدة، فقد واجهت أندية تاريخية مثل هومنمن وهومنتمن مصاعب مشابهة، وكاد الراسينغ أن يعيش المصير نفسه لولا تدخلات مالية محدودة في اللحظات الأخيرة. انسحاب البرج لم يضعف البطولة فحسب، بل أبرز هشاشة القاعدة الكروية في لبنان، حيث أصبح استمرار أي نادٍ رهن التمويل الفردي ودعم الأشخاص، وليس بالاستقرار المؤسسي.

 

انسحاب البرج أبرز هشاشة القاعدة الكروية في لبنان. (طلال سلمان)

انسحاب البرج أبرز هشاشة القاعدة الكروية في لبنان. (طلال سلمان)

 

في المقابل، تظهر القمة صورة مغايرة، بحيث أندية مثل الأنصار، النجمة، العهد وجويّا تتحرك بحرفية واضحة، تخطط لكل مرحلة بدقة، وتستثمر في كل تفصيل لضمان النجاح داخل الملعب وخارجه. هذه الأندية تدرك أن كرة القدم الحديثة لا تتحقق بالارتجال، وأن الإدارة الجيدة والتخطيط المستمر هما السبيل لتحقيق نتائج مستدامة، سواء على المستوى المحلي أو في المنافسات القارية.

أما القاع، فالواقع مروع. الإدارات تفتقر إلى الخبرة، عقلية الاحترافية غائبة، اللاعبون غير مطمئنين على عقودهم، والمدربون يعملون تحت ضغط نفسي ومالي هائل. السياسة السائدة تعتمد على "الرجل الواحد"، حيث التمويل والإدارة واتخاذ القرار كلها مرتبطة بشخص واحد، وعندما يختفي هذا الداعم تنهار المؤسسة بأكملها. بعض الأندية يضطر إلى بيع لاعبيه لتغطية المصاريف الأساسية، بينما المنافسون على اللقب يبنون فرقاً متكاملة، فتتسع فجوة الموارد والقدرة على التخطيط، وتصبح البطولة كأنها بطولتان في عالمين مختلفين.

لم يدخر الاتحاد اللبناني لكرة القدم برئاسة المهندس هاشم حيدر، نائب رئيس الاتحاد الآسيوي، جهداً في محاولة دعم الأندية وتطوير البنى التحتية، لكن العدد الكبير للأندية مقارنة بجغرافية لبنان الصغيرة، وشبه إفلاس الدولة، يجعل استمرار الدعم للجميع مستحيلاً. الواقع يفرض إعادة صوغ عائلة اللعبة نفسها عبر دمج الأندية المتعثرة وخلق كيانات مستقرة، ووضع قواعد احترافية تمنع تكرار حالات الانسحاب مستقبلًا، ليصبح البقاء مرهوناً بالبنية المؤسسية وليس بالشخصيات الفردية.

يولد هذا الانقسام الحاد فجوة غير مسبوقة داخل البطولة. مباريات القمة تُلعب بإيقاع دقيق وحسابات استراتيجية، بينما مواجهات القاع تتحول إلى صراع للبقاء تحت ضغط نفسي ومالي هائل، ما يعوق تطوير اللاعبين الشباب ويهدد استمراريتهم في الدوري. استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى تقليص عدد الأندية، إضعاف المنافسة، وفقدان اللعبة امتدادها الشعبي والجغرافي، لتصبح كرة القدم اللبنانية مجرد بريق ظاهري للقمة بينما القاع ينهار تدريجاً.

الحل لا يكمن في الشعارات أو الوعود، بل في إجراءات جريئة وواقعية تبدأ بإعادة هيكلة الاتحاد والبطولات، ودفع الأندية إلى المأسسة، وتطوير الإيرادات، وفرض معايير احترافية على الإدارات، وإلغاء سياسة الرجل الواحد التي تهدد استمرارية الأندية، مع إعادة تعريف الأندية مؤسسات قادرة على الصمود والبقاء، لا فرق أولى تعتمد على التمويل الفردي.

الدوري اللبناني لا يزال يملك نبضاً حقيقياً، كما تظهر جماهير الديربيات والمواهب التي تفرض نفسها رغم كل الصعوبات. لكن هذا النبض مهدد بشدة إن لم تتم معالجة الانقسام بين القمة المدعومة والقاع المهدد بالزوال. إما أن يعي القيمون على الأندية أن الدوري واحد بكل مكوناته وأن الأندية هي أساس اللعبة، أو سنشهد مزيداً من الانسحابات، والمواسم التي تنتهي قبل أن تبدأ، مع اتساع فجوة الاحترافية بين القمة والقاع، لتتحول كرة القدم اللبنانية إلى لعبة على الورق، بلا حياة على الأرض.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق