نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غفوة الهمس في ديوان "اِرتعاش المطر" لنقية هاني - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 22 يناير 2026 08:35 مساءً
المطر بهاءٌ من عنانٍ، ينفطر شوقاً إلى الأرض. ونَفَس السماء سحر السحاب عندما يبث أسراره. فالرعد شاهد على البرق، وقوس قزح شاهد على عهدٍ قديمٍ قدم سفر التكوين.
كما يُثقل على الغيم الكتمان، فيرسل عطره ماءً، وفي سقوطه من السماء قيامٌ، هكذا أثقلت الخواطر فضاء فكر نقية هاني، فهطلت قصائد في ديوان "اِرتعاش المطر"، قرعت به أبواب النفوس الموصدة، حتى لكأنّ قراءته، سجع حمامة يهدهد الأفئدة، ووعد بوح يشي بأحلام بهيّة، ما دامت المخيلة لا تخلو من فطرة حبلى بالإلهام، كما أنّ السماء لا تخلو من غيمة حبلى بالرحمة.
أيتها الشاعرة الممتلئة شوق الحياة، كيف تتنفسين عطر السماء، وتنقلين المطر إلى حقول أحلامك، ليرتوي القارئ من غيث أفكارك؟ فالحبر قد ارتعش في نياط قلب الديوان، بحثاً عن نافذة الضوء، كما ارتعش المطر باختيال خلال رقصة مع الريح. ففي قصيدة "خلوة كتاب" كتبت هاني: "يا شغفاً أحببته/ أنا لست دفتراً/ لكني نافذةٌ/ للقصائد/ للنّثر/ للأمنيات..." (صفحة 25)
كيف يغفو الحنين في رحم الفكرة على الرغم من ضجيج صمت الغياب، وإبنة هاني تستبطنه كأنهما جنين التصق بحبلٍ سريٍّ عند تخوم الكون؟ ففيض النوستالجيا الذي يؤرق حيواتنا، أحاكته الشاعرة في مساحة الانتظار في مغزل النعيم، وقد ارتسم قلب الحبيب في سماء الرحيل حقيقة في جلجلة الشوق إلى شبيهه. فقد ورد في قصيدة حديث الصمت: "فلا تجعل العمر منفى/ ولا الروح عالقة على ضفاف الانتظار/ فقد تعبت من رسمك في أحلامي/ وأنا أريدك حقيقة/ تفتح نافذة الضّوء في أيامي." (صفحة 45)
تنسكب القصائد كغفوة الهمس طهراً، ويستفيق الصباح مع حلم الشاعرة، على صفحات الديوان مع وجد وسرور. ولحن حبٍّ في المساء يمتزج في خمائل البوح، ويتعطّر بعطر الأفق، وقشيب المشهد يزدان من لُمعة حياء شاعرة المطر. كتبت نقية هاني في قصيدة همس الغيوم: "أهمس للصّبح/ فألقاه منتظراً/ وأحنّ للمساء/ فيحضنني الشّفق اللازورديّ." (صفحة 52)
كفراشة تلاحق الضوء عشقاً ورقصاً واحتراقاً، وضعتنا نقية هاني في ظلال قنديل يتراءى ضياؤه مع قصص وقصص، وكانت أسيرة انتظار ميلاد الضوء من الأفق، كي تغازل الشعاع الساطع مع الآلهة فوق القمم، نشوة خلاص على حفافي الاحتراق: "تلوينة الظلام أنا/ أسرق الجمال من فم الآلهة/ وأبحث سرّاً عن ميلاد الضّوء."؛ "أسيرة الضّوء أنا/ إذا رسم العذاب ظلاله"، من قصيدة فاتنة الفجر (صفحة 84، 86)
نقية هاني ليست ضالة فوق تراب الوطن، ولم تكن مزاجية في التعبير، ولا مهزومة في الحبّ والحلم، بل باسمة أمام الحزن الذي يفترس الأحلام والحواس والأيّام، أمام سخرية الأقدار والطعنات في تراب الأرز. فلنأخذ بوحها كما هو، أيقونة عشق لهذه الأرض الطاهرة، لنرتقي بشهد قصائدها عشاق وطن من أجمل الأوطان: "لبنان يا أيقونة الحضارة/ على جيدِ المتوسّط/ غنّتها أحلامنا الجميلة/ ورقصت لها أرواحنا/ في مواسم الفرح القديم/. لكنّ لصوتك الآن/ صدًى صارخاً/ يرتدُّ وجعاً/ نزفاً/ ألماً." من قصيدة لبنان... إله النور (صفحة 100)
تمسك نقية هاني بيد الليل، عند لهفة الصبح حين تلامس المشاعر، وكأنّ القمر استقر في عينيها، ليشهد اصطباغ كفيها بلون حبر كتب منحنيات الهيام كمددٍ، وزرع في روحها غواية الأمل: "يا ذات الغنج.../ إن غفت الليالي عن أسرارنا/ فسأوقظ الصّبح من أجلك/ وأغزل من الفجر أهداباً/ تحرس حلمي بك." من قصيدة فجر من سحر (صفحة 162)
جعلتنا نقية هاني ندرك من خلال ديوانها "اِرتعاش المطر"، أنّ الأرواح التي تعبق بالأمكنة في همس المساء وطرقات الفجر، في بحثها الدائم عن أطياف السعادة، ستبقى في بحث مستمر، حتى تولد تحت سماءها كلّ غربة بحضور وطن.









0 تعليق