نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
محيي الدين اللباد.. الفتى العربي الذي حوّل كُتب الأطفال لـ «أداة مقاومة» - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 22 يناير 2026 05:11 مساءً
لم تكن ندوة «محيي الدين اللباد»، التي افتتح بها «الصالون الثقافي» نشاطه، ضمن فعاليات الدورة 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، مجرد ندوة عن شخصية معرض كتاب الطفل هذا العام فحسب، بل هي أقرب إلى «بانوراما توثيقية» لمحطات شديدة الأهمية والتأثير في حياة الفنان الكبير، وأبرزها تجربته مع دار «الفتى العربي».
الندوة لم تكن مجرد استعادة لذكرى فنان كبير، بل كانت إعادة فتح لملف ثقافي شديد الثراء، يكشف كيف يمكن لكتب الأطفال أن تتحول إلى مشروع وعي، وكيف يصبح الرسم والكتاب أداة مقاومة وبناء، وحلم عربي مشترك.
ففي عام 1974، وصل محيي الدين اللباد إلى بيروت، والتي كانت آنذاك «مغناطيس للفن والثقافة»، وملتقى لتيارات فكرية وسياسية وإنسانية متشابكة، لم تكن هناك دور نشر خاصة كثيرة متخصصة في كتب الأطفال، ولا سلاسل واضحة المعالم، ولا سوق جاهزة لهذا النوع من الإنتاج، ومع ذلك، ولدت فكرة دار «الفتى العربي» كمغامرة واعية، لا تنتمي إلى النشر الحكومي، ولا تخضع لمنطق السوق التجارية.
وبحسب الفنان فواز الطرابلسي، الذي استعرض دراسة بحثية عن علاقته بـ«اللباد»، فإن غياب خطط التسويق والتوزيع دفع الفريق الساعي إلى تأسيس الدار للتفكير بشكل جذري في كيفية البقاء، فكانت الخطة واضحة وهي إنشاء سلاسل متعددة تناسب أعمارًا مختلفة، وبناء كتالوج خلفي واسع يثبت وجود الدار، إلى جانب البحث عن منافذ توزيع في العالم العربي كله.
«كروان» و«السندباد» و«سمير»
في بداية الندوة، وبعد تقديم مُحِب، بدأ محمود الحسيني، مدير الندوة، في استعراض المسار الزمني للعلاقة العميقة التي ربطت محيي الدين اللباد بدار «الفتى العربي»، مؤكدًا أن اختياراته الفنية لم تكن عشوائية، بل نابعة من إيمان حقيقي بالوصول إلى الناس.
وقال «الحسيني»: «اختار اللباد أشكال التعبير الأيسر: الرسومات الموجهة للأطفال والكاريكاتير بالألوان الزاهية، وكان يرى غلاف الكتاب كأنه باب يفتحه أب ويقول للقارئ: أهلًا وسهلًا».
وأضاف: «تجربة الدار كانت نموذجًا مؤسسيا غير مسبوق في زمنها، ونجاحها لم يكن وليد عامل واحد، بل نتيجة تضافر لحظة تاريخية خاصة: نشوة نصر 1973، وأمل عربي واسع، وخوف جماعي من تحولات عالمية متسارعة، إلى جانب بيروت كمركز جذب ثقافي، ومؤسسة تشكّلت من شخصيات نشأت على حب جيل عظيم من الفنانين».
وتوقف النقاش عند النشأة الإبداعية المبكرة لمحيي الدين اللباد، الذي روى أكثر من مرة أنه منذ سن التاسعة كان شديد الارتباط بالثقافة البصرية، وصنع بيديه مجلة صغيرة أسماها «كروان»، متأثرًا بمجلة «سمير» التي عمل بها لاحقًا.
لم يكن «اللباد» مجرد رسام، بل كان كاتبا ومحررا وصانع سيناريو بصري، في مجلة «سندباد» تطورت شخصيته الفنية بشكل لافت، ورسم «بورتريهات»، وكتب مواد تحريرية، وأسهم في صياغة الرؤية الكاملة للمجلة، كما أسس ندوة ثقافية باسم «السندباد» في المطرية، ما يعكس رغبته المبكرة في التأثير المجتمعي والتنظيم الثقافي.
السيد مليمتر!
أكثر الشهادات الإنسانية عمقًا جاءت على لسان نوال طرابلسي، خبيرة أدب الأطفال، التي بدأت العمل مع «اللباد» وهي في العشرين من عمرها، طالبة فلسفة، وترسم كهواية.
قالت في شهادتها عن فنان متفرد: «كنت أدرس الفلسفة في الجامعة الفرنسية ببيروت، وأرسم كهواية، كان لدي بعض الأعمال في معرض صغير، ورآني اللباد ورغم أنهم قالوا له إنني مجرد طالبة، أصر على مقابلتي».
وأضافت: «قال لي إن دار النشر يجب أن تكون في المقام الأول عن الأطفال الفلسطينيين ومن أجلهم، لم أكن وقتها على علاقة بفلسطين، لكنه طمأنني وقال: لا تقلقي، سأرشدك خلال العملية».
وكشفت أن العاملين في الدار أطلقوا على «اللباد» لقب «السيد مليمتر»، لدقته الشديدة وعدالته المهنية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن دار «الفتى العربي» كانت البرنامج الثقافي لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، لكن دون توجيه سياسي مباشر.
وشرحت: «كانت (الفتى العربي) دارًا إبداعية وتقدمية للغاية، نعم، كان هناك حماس حقيقي للثورة الفلسطينية، لكن لم يكن هناك توجيه سياسي مباشر للفن».
وأضافت: «ما كان مثيرًا للإعجاب أننا نشرنا أعمالًا أصلية، في وقت كانت فيه دور النشر الأخرى تكتفي بترجمة كتب أجنبية ونسخ صورها، نشرنا نصوصًا عن أطفال ذلك العصر، أطفال الستينيات والسبعينيات».
وواصلت: «الدار كانت عربية بحق، تضم كُتَّابًا ورسامين من كل البلدان العربية، لا تعكس ذوق مالكيها فقط، ولا تنتمي لدولة واحدة، بل لقضية عربية جامعة».
وتحدثت نوال الطرابلسي عن صدمة غياب «اللباد»، قائلة: «بعد رحيله، لم يتصل بي أحد من (دار الفتى) مجددًا، عندها أدركت مدى أهميته للمشروع، كان يدفع مقابل العمل لا الاسم، كنت أتقاضى نفس أجر الرسامين الآخرين، رغم أنني لم أكن أعتبر نفسي محترفة مثلهم، هذه طريقة مهنية وعادلة، كنت فخورة بالعمل في مؤسسة تحترم هذه القواعد».
واستعادت نقاشًا دار خلال الحرب الأهلية اللبنانية: «اقترح بعض الزملاء أن نرسم أشياءً متفائلة بدل القتل والجثث، كنت أرى العكس: يجب أن نرسم الواقع، لكنني اتفقت مع اللباد أن الفن ينبغي أن يتجاوز الواقع، لا أن يكرره».
وأتمت بقولها: «تلك الفترة كانت مشحونة بأفكار ثورية»، مؤكدة أن تجربتها في دار «الفتى العربي» كانت البذرة التي قادتها لاحقًا إلى تأسيس أول جمعية غير هادفة للربح في لبنان لتطوير المكتبات العامة.
أطفال مُرحِبة بالكتب
وأكد أحمد اللباد أن دار «الفتى العربي» كانت ولا تزال تجربة فريدة، مضيفًا: «هي الدار الوحيدة التي خاطبت الطفل العربي كله من الخليج إلى المحيط، وتعاملت مع كُتَّاب ورسامين من كل الدول العربية، وتمثل نموذجًا ثقافيًا إنسانيًا، أتاح تلاقي المواهب العربية خلف مشروع يخدم العقل العربي».
وواصل: «معظم شغل اللباد كان يبحث عن التميز، وكلما اكتسب أرضًا جديدة، وحقق أي من أعماله نجاحًا جماهيريًا، يتجاوزه على الفور، ويقفز إلي فكرة جديدة وعمل آخر».
وحكى «اللباد»: «حضرت له مناقشة مع الشاعر زكريا تامر، وقال له إن الشغل للطفل لا يجب أن نحمله بأفكارنا وهمومنا السياسية، فالطفل يحتاج إلى التعاطف، ولفهم طفولته، وبعد فترة لجأ للتجريب في أفكار أخرى».
وأكمل: «كتب أنه شعر بأن الكتب أصبحت أكثر ترحيبًا من المثقفين، وهو يريد أن تلقى ترحيبًا من الأطفال أكثر، فبدأ التعامل مع أفكار الطفولة، وظهر ذلك في مطبوعات (دار الفتى) 1976، وآخرها كتاب (من القلب للقلب) عام 1990، والذي كان سعيدًا جدًا وهو يعمل به، معتبرًا أنه (مانفيستو) لما يحتاجه الطفل».
وتابع: «صار له رأي حاسم بأنه لا يجب أن نحمّل الأطفال آراءً وأفكارًا أكبر من سنهم، وللعلم، أُعيد طبع هذا الكتاب عن الهيئة العامة للكتاب، مع 3 كتب أخرى، ويتوفر في أجنحة الهيئة بمعرض الكتاب هذا العام».
وبحسب ما ذكره المشاركون في الندوة، من المميزات غير المسبوقة لدار «الفتى العربي»، أنها تتوجه للجمهور العربي كله، وليس للطفل المصري فقط، إذ كان المستهدف الأطفال من الخليج إلى المحيط.
وظلت «الفتى العربي» حتى الآن هي الدار الوحيدة التي تعمل بهذا الهدف، وهو ما جعلها تتعامل مع رسامين وكُتَّاب من كل الدول، وليس مصر فقط، ما جعلها نموذجا ثقافيا إنسانيا، يتيح مساحة لتضافر وتلاقي مجموعة من المواهب العربية، التي استطاعت أن تتجمع خلف آراء وعمل خاص لخدمة العقل العربي.
ومحيي الدين اللباد «1939- 2010»، رسام ومصمم جرافيك مصري، درس التصوير الزيتي بكلية الفنون الجميلة (1957- 1962)، وعمل بالكاريكاتير والصحافة، وشارك في تأسيس دار «الفتى العربي» ببيروت، إلى جانب تأسيس «الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال» و«المركز الجرافيكي العربي».
من أبرز كتبه: «كشكول الرسام»، و«نظر»، و«لغة بدون كلمات»، و«حكاية الكتاب»، و«تي شيرت»، وهو الحائز على جائزة «التفاحة الذهبية» 1989، وجائزة «الأوكتاجون» الفرنسية عام 1994.
اقرأ أيضاً
مسرح وكتب وورش فلكية.. جناح الطفل يبهج زوار معرض القاهرة للكتاب | صورماتي فيشينك في معرض القاهرة الدولي للكتاب: الأدب والمسرح والترجمة جسور للحوار الثقافي
محمد الباز يفتح الصناديق المغلقة لرحيل «صاحب نوبل» في معرض الكتاب
















0 تعليق