نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"فوضى أميركية" و"هدوء صيني"... بكين تقدم نفسها كقوة موثوقة وسط انقسام يزرعه ترامب - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 22 يناير 2026 04:39 مساءً
بينما يدفع دونالد ترامب السياسة الأميركية نحو مزيد من الصدام والانقسام مع الحلفاء، تسارع الصين إلى تقديم نفسها قوة هادئة وموثوقة. وفي عالم أنهكته الاضطرابات، تبدو هناك آذان صاغية لخطاب بكين، مع دول بدأت تميل إلى تصحيح علاقاتها معها.
في اللحظة التي كان فيها الرئيس الأميركي يصعّد لهجته حيال حلفائه، عبر التهديد بالسيطرة على غرينلاند، والتلويح برسوم جمركية، وتسريب رسائل خاصة لقادة أوروبيين، وجدت بكين في هذا المشهد فرصة نادرة. فبدل الدخول في مواجهة مباشرة، اختارت تقديم نفسها كبديل عقلاني من القيادة الأميركية المضطربة، مستثمرة حالة القلق التي أحدثتها سياسات ترامب الخارجية، بحسب تقرير لشبكة "سي ان ان".
هذا التوجه تجسّد بوضوح في الخطاب الصيني الرسمي، بحيث شدد نائب رئيس الوزراء هي ليفنغ في دافوس على التزام بلاده التعددية والتجارة الحرة، داعياً إلى "التوافق والتعاون بدل الانقسام والمواجهة" في دافوس. الرسالة لم تكن موجهة إلى واشنطن بقدر ما كانت موجهة إلى العالم، في محاولة لترسيخ صورة الصين قوة مسؤولة تسعى إلى الاستقرار في نظام دولي متآكل، وفق "سي ان ان".
منذ سنوات، يروّج الرئيس الصيني شي جينبينغ لرؤية بديلة من النظام العالمي، يرى أنها أكثر عدالة وأقل خضوعاً للهيمنة الأميركية. واليوم، يعتقد صناع القرار في بكين أن الوقت يعمل لصالحهم، وأن الصين ليست مضطرة لبذل جهد استثنائي لتحقيق مكاسب جيوسياسية، طالما أن الولايات المتحدة تواصل إضعاف تحالفاتها بنفسها. فاستفزاز ترامب لحلفائه، ولا سيما منهم الأوروبيين، بات يهدد ركائز نظام التحالف الأميركي، وعلى رأسه حلف الناتو.
وتظهر ملامح هذا التحول في مواقف بعض أقرب شركاء واشنطن. فقد حمل خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس اعترافاً بأن "الهيمنة الأميركية" جزء من قصة مُختلقة عن "النظام الدولي القائم على القواعد". ورغم انتقاده للشيوعية والسلطوية السوفياتية، اتسمت تصريحاته بتقاطع مع خطاب الصين حول التغيير العالمي. كما أن تحركات كندا الأخيرة لإصلاح علاقاتها مع بكين، وإطلاق شراكة استراتيجية جديدة، عكست رغبة في تنويع الخيارات والتحوط من السياسة الأميركية المتقلبة.
ترامب وشي (وكالات)
ولا يقتصر هذا التوجه على كندا. فدول أخرى قريبة من الولايات المتحدة بدأت بدورها بإعادة النظر في علاقاتها مع الصين، سواء عبر تعزيز الانخراط الاقتصادي أو تخفيف حدة التوتر السياسي. ورغم استمرار المخاوف الغربية من طموحات بكين الإقليمية، خصوصاً حيال تايوان، ترى القيادة الصينية في هذا الواقع فرصة مزدوجة: توسيع نفوذها الاقتصادي، وتعميق الشرخ بين الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي السياق نفسه، يندرج توجه زعيم حزب العمال البريطاني كير ستارمر نحو إعادة الانخراط مع بكين، وموافقة حكومته على مشروع السفارة الصينية الجديدة في لندن، ضمن مؤشرات أوروبية على براغماتية متزايدة في التعامل مع الصين، تحسباً لتقلّبات الموقف الأميركي.
ويقول رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث وارف قميحة لـ"النهار": "من منظور الصين، ما يشهده العالم اليوم ليس صراعاً على القيادة بقدر ما هو بحث جماعي عن الاستقرار والموثوقية في نظام دولي يعاني من التوتر والانقسام"، مشيراً الى أن "الصين لا ترى نفسها بديلًا من أحد، ولا تسعى لملء فراغ عبر الهيمنة أو فرض النفوذ، بل تنطلق من قناعة راسخة بأن العالم أكبر من أن يُدار من قطب واحد".
ويضيف قميحة: "في مرحلة اتسمت بتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، وباستخدام الأدوات الأحادية والضغوط السياسية والاقتصادية، حافظت الصين على نهج ثابت يقوم على الهدوء، الاستمرارية، واحترام التعددية الدولية. هذا النهج لم يكن تكتيكاً ظرفياً، بل خيار استراتيجي نابع من إدراك عميق بأن الاستقرار الدولي لا يُبنى عبر زرع الانقسامات، بل عبر تعزيز الثقة، والحوار".
ويشدد على أن الصين "لا تطرح نفسها "قائداً بديلاً"، بل شريك مسؤول في بناء نظام دولي أكثر عدلاً واستقراراً. وتندرج مبادرة الحوكمة العالمية ضمن هذا الإطار الفكري والسياسي. فهي تعكس إدراك الصين أن أزمات العالم المعاصرة لا يمكن معالجتها بأدوات الماضي".
ويؤكد أن "الصين لا تسعى إلى تصدير نموذجها السياسي أو فرض رؤيتها الأيديولوجية على الآخرين، بل تركز على الاحترام المتبادل، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتنمية باعتبارها الأساس الحقيقي للاستقرار. ومن هنا تقدّم نفسها قوة هادئة وموثوقة، لا لأنها ترفع هذا الوصف، بل لأن سلوكها الدولي يقوم على تجنّب الصدام، وتغليب الحلول السلمية، وبناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة".













0 تعليق