درية شفيق.. من الانتحار السياسي إلى الانتحار الجسدي - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
درية شفيق.. من الانتحار السياسي إلى الانتحار الجسدي - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 22 يناير 2026 10:53 صباحاً

لا يمكن فهم تجربة درية شفيق، ولا تقييم موقعها في التاريخ السياسي والاجتماعي المصري، دون وضعها داخل سياقها الكامل والدقيق، بدءًا من نشأتها كنموذج واضح للنسوية النخبوية في ظل النظام الملكي، صعودها الرمزي والإعلامي قبل عام 1952، ثم تخبطها السياسي الحاد بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952، وصولًا إلى لحظة السقوط في 19 فبراير 1957.

إن الإشكال الجوهري في تجربة درية شفيق لا يكمن في دفاعها عن حقوق المرأة في ذاته، بل في كيفية ممارستها للمعارضة السياسية، وفي تجاهلها شبه الكامل لطبيعة اللحظة التاريخية التي تحرّكت داخلها، وموازين القوى التي حكمت تلك اللحظة.

وُلدت درية شفيق في 18 يناير 1908 بمدينة طنطا. تلقت تعليمها الأساسي في الإسكندرية، ثم سافرت إلى فرنسا في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث التحقت بجامعة السوربون، وحصلت على ليسانس في الفلسفة، ثم نالت درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1940.

وقد شكّل هذا التكوين الأكاديمي الغربي، في توقيته ومحتواه، الإطار المرجعي الأساسي لرؤيتها الفكرية والسياسية، وربط خطابها النسوي بالنموذج الليبرالي الأوروبي أكثر من ارتباطه بالبنية الاجتماعية المصرية الواسعة، أو بطبيعة التكوين الطبقي والثقافي للمجتمع المصري.

عادت درية شفيق إلى مصر خلال أربعينيات القرن العشرين، في لحظة كانت الدولة المصرية فيها تعيش أزمة بنيوية، وغياب مشروع وطني شامل. في هذا السياق، أسست درية شفيق مجلتي «المرأة المصرية» و«بنت النيل»، كما أنشأت جمعية بنت النيل، التي تبنّت برنامجًا يربط بين تعليم المرأة ومشاركتها العامة، مع تركيز واضح على المرأة المتعلمة المنتمية إلى الطبقات الوسطى والعليا.

بلغ نشاط درية شفيق ذروته السياسية والإعلامية عام 1951، حين قادت مجموعة من النساء في اقتحام مجلس النواب المصري للمطالبة بحق المرأة في الانتخاب والترشح. جاء هذا الفعل في سياق نظام ملكي فاقد للشرعية الشعبية، خاضع للاحتلال البريطاني، ويعاني من التفكك السياسي والاجتماعي.

وفي هذا السياق تحديدًا، نجحت درية شفيق في توظيف الفعل الرمزي توظيفًا فعالًا، مستفيدة من هشاشة السلطة القائمة، ومن غياب مشروع وطني قادر على احتواء المطالب الاجتماعية داخل إطار مؤسسي، غير أن ثورة 23 يوليو 1952 مثّلت قطيعة تاريخية كاملة مع السياق الذي صعدت فيه درية شفيق.

فالدولة الجديدة لم تكن امتدادًا للنظام الملكي، بل مشروعًا لإعادة بناء السلطة والمجتمع، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والنخب، وبين الدولة والطبقات الشعبية.

في هذا الإطار الجديد، لم تجد درية شفيق لنفسها موقعًا داخل معادلة الحكم، ولم تشارك في الثورة، ولم تنخرط في مشروعها، ولم تحاول فهم منطقها الاجتماعي والسياسي، بل اختارت موقع المعارضة، معتمدة على الأدوات الرمزية والخطابية نفسها التي نجحت في سياق النظام الملكي، لكنها فقدت فعاليتها بالكامل في السياق الثوري.

ومع تصاعد الصراع السياسي داخل مجلس قيادة الثورة خلال عام 1954، انحازت درية شفيق بوضوح إلى اللواء محمد نجيب، ووقفت في مواجهة جمال عبد الناصر، استنادًا إلى تصور ليبرالي تقليدي عن الديمقراطية والحكم، لا يراعي طبيعة المرحلة الانتقالية، ولا التوازنات الداخلية والخارجية التي فرضتها الثورة.

وفي هذا السياق، شاركت في اعتصام نقابة الصحفيين عام 1954، مطالبة بضمان حقوق المرأة في الدستور الجديد، دون تقديم تصور متكامل لكيفية إدماج هذه الحقوق داخل مشروع الدولة الجديدة، غير أن اللحظة الفاصلة والحاسمة في حياة درية شفيق السياسية جاءت في 19 فبراير 1957.

في هذا اليوم، أعلنت درية شفيق اعتصامها وإضرابها عن الطعام داخل السفارة الهندية بالقاهرة، ورفعت مطالب سياسية مباشرة وصريحة شملت تنحي جمال عبد الناصر عن الحكم، وعودة محمد نجيب إلى رئاسة الدولة.

جاء هذا الموقف في توقيت بالغ الخطورة، إذ كانت مصر لا تزال تعيش تداعيات العدوان الثلاثي الذي وقع في أكتوبر 1956، وكانت القوات الإسرائيلية لم تنسحب بعد من كامل سيناء، بينما كانت الدولة المصرية تخوض معركة إعادة بناء ما دمرته الحرب وترميم السيادة الوطنية في مواجهة ضغوط دولية هائلة.

هذا الفعل لا يمكن فهمه إلا بوصفه انفصالًا كاملًا عن الواقع السياسي، وغيابًا تامًا للإحساس بطبيعة اللحظة التاريخية، ومحدودية شديدة في قراءة موازين القوى الفعلية داخل المجتمع والدولة.

لم يكن ما فعلته درية شفيق بطولة سياسية، ولا ذروة نضال نسوي، بل خطأً سياسيًا فادحًا أنهى للأبد أي إمكانية لاستمرارها كفاعل عام.

لقد وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع دولة خارجة من حرب، ومع مجتمع يرى في الصراع مع العدوان أولوية وطنية مطلقة تتجاوز أي خلاف سياسي داخلي.

ومع ذلك، فإن تعامل عبد الناصر معها جاء خاليًا من الانتقام المباشر. لم تُعتقل درية شفيق، ولم تُقدَّم إلى محاكمة، ولم تُزجّ في السجن. انتهت الأزمة بخروجها إلى المستشفى، ثم إلى منزلها، حيث فُرضت عليها عزلة كاملة.

يتناقض المسار الذي انتهت إليه تجربة درية شفيق تناقضًا جذريًا مع المسار العام الذي سلكته الدولة المصرية تجاه المرأة في عهد جمال عبد الناصر.

دستور 1956 كان أول دستور يعبر فعليًا عن ثورة 23 يوليو، وفيه انتقلت المرأة المصرية لأول مرة من موقع ناقص الأهلية إلى موقع المواطنة الكاملة، إذ مُنحت حق الانتخاب والترشح والتصويت على قدم المساواة مع الرجل، بوصفه حقًا دستوريًا صريحًا في المشاركة السياسية الكاملة.

في انتخابات مجلس الأمة عام 1957، وهي أول انتخابات برلمانية بعد ثورة يوليو، لم يكن دخول المرأة المصرية البرلمان مجرد حدث رمزي أو خطوة دعائية، بل نتيجة مباشرة لتغيير حقيقي في تصور الدولة للمواطنة.

ففوز راوية عطية بعضوية مجلس الأمة، لتصبح أول نائبة برلمانية في مصر والعالم العربي، جاء بعد إقرار حق المرأة في الانتخاب والترشح، بما يعني أن الدولة تعاملت مع المرأة بوصفها مواطنة كاملة الحقوق، لا حالة استثنائية ولا إضافة تجميلية.

هذا المسار لم يتوقف عند حدود التمثيل البرلماني. في عام 1962، جرى تعيين حكمت أبو زيد وزيرةً للشؤون الاجتماعية، لتصبح أول وزيرة في تاريخ مصر. ولم يكن هذا التعيين مجاملة سياسية أو استجابة لضغط نخبة نسوية، بل جزءًا من منطق واضح يريد إشراك المرأة في إدارة الدولة نفسها، لا الاكتفاء بمنحها حقوق على الورق.

تعامل عبد الناصر مع قضية المرأة باعتبارها جزءًا من مشروعه الاجتماعي الأوسع، لا قضية منفصلة ولا ملفًا ثقافيًا جانبيًا. فتمكين المرأة ارتبط لديه بفكرة العدالة الاجتماعية وبناء دولة حديثة بعد سقوط النظام الملكي، دولة لا تقوم على الامتياز الطبقي ولا على الإقصاء، بل على دمج الفئات التي كانت مهمشة، وفي مقدمتها النساء.

لهذا، لم يُطرح حضور المرأة في البرلمان أو الوزارة بوصفه إنجازًا استثنائيًا، بل كأمر طبيعي داخل مشروع يرى أن المجتمع لا يمكن أن ينهض بنصف طاقته.

يُمثّل عام 1957 لحظة إسدال الستار على دور درية شفيق في المجال العام، ويمكن توصيف ما فعلته بأنه انتحار سياسي كامل، إذ فقدت منذ ذلك التاريخ أي قدرة على التأثير أو المشاركة أو إعادة إنتاج موقع لها داخل المجال السياسي والاجتماعي.

لم يكن ما حدث مجرد تراجع مرحلي أو إقصاء مؤقت، بل خروجًا نهائيًا من التاريخ السياسي، أعقبه صمت طويل وعزلة ممتدة، جعلت تجربتها تنتهي وهي ما تزال على قيد الحياة.

استمرت هذه العزلة قرابة ثمانية عشر عامًا، إلى أن انتهت حياتها جسديًا في 20 سبتمبر 1975، حين ألقت بنفسها من شرفة شقتها في القاهرة. جاءت هذه النهاية بوصفها تتويجًا لمسار مأساوي بدأ بالسقوط السياسي، وانتهى بالغياب الكامل.

جاء الانتحار السياسي لدرية شفيق عام 1957، ثم انتحارها الجسدي عام 1975، ليكشف عن المسافة الفاصلة بين الطموح الفردي المعزول، وبين الفعل الاجتماعي المرتبط بمشروع وطني شامل.

فبينما اختارت درية شفيق الصدام الفردي مع نظام الحكم الثوري، اختارت نساء أخريات العمل مع النظام من بوابة التحول الاجتماعي الواسع، والمشاركة في بناء مؤسسات الدولة من الداخل.

وبذلك تبقى تجربة درية شفيق مثالًا كاشفًا لمآلات المعارضة النخبوية حين تنفصل عن شروط الواقع، وتعجز عن قراءة اللحظة التاريخية، فتؤول في النهاية إلى العزلة، ثم إلى الاختفاء، مهما كانت نواياها، ومهما بدا خطابها في لحظة ما لامعًا أو صاخبًا.

اقرأ أيضاً
شذرات استراتيجية.. القومية العربية بين الانبعاث والاحتضار

إعادة رسم الشرق الأوسط.. قراءة في كتاب «سايكس بيكو الإبراهيمي»

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق