نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مخيم الهول... من "شرعية الاستثناء" إلى اختبار السيادة الإجرائية - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 10:53 مساءً
لم يكن مخيم الهول، في أي مرحلة من مراحله، مجرد مساحة إنسانية منفصلة عن السياسة. فمنذ تحوّله بعد عام 2019 إلى المركز الأكبر لاحتجاز عائلات تنظيم "داعش" في شمال شرق سوريا، بات المخيم كياناً أمنياً–سياسياً بامتياز، تتبدل وظيفته ومعناه بتبدل الجهة التي تديره وبالسياق الدولي الذي يُنظر إليه من خلاله. واليوم، مع انتقاله من إدارة "قوات سوريا الديموقراطية" إلى الدولة السورية، يعود الهول إلى الواجهة لا بوصفه خطراً داهماً فقط، بل بوصفه اختباراً عملياً لمعنى استعادة السيادة بعد سنوات من إدارة الفراغ.
من مخيم لجوء إلى مستودع لأزمة مؤجلة
أُنشئ مخيم الهول مطلع التسعينيات كمخيم لجوء للاجئين العراقيين، وبقي لسنوات طويلة منشأة إنسانية هامشية، منخفضة الحساسية السياسية. غير أن هذا الطابع تبدّل جذرياً مع انهيار تنظيم "داعش" في شرق سوريا عام 2019. فمع سقوط آخر معاقله، نُقلت عشرات الآلاف من النساء والأطفال، ومعهم مرافقو التنظيم، إلى الهول، ليصبح خلال أشهر قليلة أكبر تجمع لعائلات "داعش" في العالم.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الهول مخيماً بالمعنى التقليدي، بل تحوّل إلى ما يشبه "مستودعاً موقتاً" لمشكلة لم ترغب أي جهة في وراثتها: دول غربية ترفض استعادة رعاياها، عراق يسعى إلى تقليص العبء، وسلطة مركزية سورية كانت خارج المشهد. هذا الفراغ هو ما منح الهول وظيفته الأولى: احتواء الخطر بدل تفكيكه، وإدارة الأزمة بدل حلّها.
شرعية الاستثناء: المخيم كأداة لإدارة الفراغ
تولت "قسد" إدارة مخيم الهول ضمن شراكتها مع التحالف الدولي، لكن هذه الإدارة لم تكن تعبيراً عن سيادة بقدر ما كانت شرعية استثناء. فالمخيم لم يكن سجناً يخضع لقانون واضح، ولا مخيم لجوء بالمعنى القانوني، ولا جزءاً من منظومة قضائية لدولة. لقد كان منطقة رمادية قانونياً، تُدار بمنطق أمني صرف، وتُعلَّق فيها الأسئلة الحقوقية والقضائية إلى أجل غير مسمى.
في هذا السياق، أُدير المخيم بوصفه تفويضاً أمنياً موقتاً لا مسؤولية سيادية كاملة. ومع مرور الوقت، بدأت مظاهر الخلل البنيوي بالظهور: عنف داخلي، اغتيالات، شبكات تهريب، وعودة أنماط ضبط قسرية داخل المخيم نفسه، ما جعله كياناً يعيش قوانينه الخاصة، أقرب إلى عالم موازٍ منه إلى فضاء قابل للإدماج.
ولم يكن التحالف الدولي بعيداً عن هذا المنطق. فقد تعامل مع المخيم بوصفه "مخزناً" للخطر، لا بوصفه ملفاً يجب إنهاؤه. كان الهدف منع تمدد التنظيم، لا معالجة جذور المشكلة أو تحمّل كلفة إعادة الرعايا. وهكذا، ساهم التحالف - من حيث يدري أو لا يدري - في تكريس نموذج الاستثناء، وإطالة أمده ضمن ترتيبات أمنية بلا أفق سياسي واضح.
القوات السورية تدخل إلى مخيم الهول في شمال شرق سوريا. (أ ف ب)
"القنبلة الموقوتة" كوظيفة سياسية
في هذه المرحلة، اكتسب الهول توصيفه الأشهر: "قنبلة موقوتة". ولم يكن هذا الوصف توصيفاً أمنياً محايداً بقدر ما كان أداة سياسية وظيفية. فقد استُخدم لتكريس فكرة أن المخيم خطر عالمي داهم لا يمكن حله، بل فقط احتواؤه. بهذه الطريقة، جرى الضغط على الدول لاستعادة رعاياها من جهة، وتبرير استمرار الصيغ الاستثنائية شرق الفرات من جهة أخرى.
كانت وظيفة هذا التوصيف في جوهرها تجميد الوضع القائم: إبقاء المخيم خارج أي أفق حل، وتعليق المسؤولية على أطراف متعددة من دون أن يتحمل أحد الكلفة الكاملة. ومع أن الخطر كان حقيقياً، فإن تضخيمه خدم إدارة الأزمة أكثر مما خدم معالجتها.
ورقة تفاوض وليس حلاً
مع مرور السنوات، صار مخيم الهول جزءاً من معادلة التفاوض غير المعلنة في سوريا. وجوده منح "قسد" ورقة ثقيلة في مواجهة دمشق، ومنح التحالف الدولي مبرراً أخلاقياً–أمنياً للاستمرار في ترتيباته الخاصة. وفي المقابل، بات المخيم عبئاً متصاعداً، لا سيما مع تراجع الزخم الدولي لإعادة الرعايا، وبدء انخفاض أعداد المقيمين فيه بفعل عمليات الإخلاء الجزئية، خصوصاً إلى العراق.
في هذه المرحلة، لم يعد الهول مجرد خطر أمني، بل عبئاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً يُدار ضمن اقتصاد ظل خاصٍّ به، قائم على التهريب والمساعدات والتحويلات غير المنظورة. ومع تآكل وظيفة المخيم كورقة ضغط، بات انتقاله من صيغة الاستثناء مسألة وقت لا خيار، لا سيما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
من الاستثناء إلى القوننة: التحول الحالي
مع التفاهمات بين دمشق و"قسد" التي أُعلن عنها الثلاثاء، عاد مخيم الهول إلى قلب النقاش السيادي. تولت وزارة الداخلية مسؤوليات الضبط الأمني في المخيم ومحيطه بوصفها أول اختبار عملي لهذه الترتيبات.
هنا تغيّر معنى المخيم جذرياً. فانتقاله من سلطة أمر واقع إلى مؤسسات الدولة لا يعني تبدّل الحراسة فحسب، بل نقل المخيم من منطقة الاستثناء إلى أفق القوننة. أي أن الدولة، باستلامها الملف، تنتقل من إدارة خطر بالنيابة إلى تحمّل مسؤولية قانونية وسياسية كاملة، بما يفرضه ذلك من استحقاقات قضائية وحقوقية داخلية وخارجية.
ويبدو أن نبرة الخطاب الدولي، وخصوصاً الأميركي، تجاه مخيم الهول قد خفّت. فالمخيم الذي وُصف لسنوات بأنه تهديد عالمي داهم، يُقدَّم اليوم بوصفه ملفاً قابلاً للإدارة ضمن ترتيبات الدولة. غير أن هذا التحول لا يعني أن الخطر زال، بل إن وظيفته السياسية تغيّرت.
حين كان المخيم خارج الدولة، استُخدم للتهويل والضغط وتبرير استمرار الاستثناء. أما اليوم، ومع عودة الدولة إلى المشهد، فإن استمرار لغة "القنبلة الموقوتة" لم يعد يخدم المسار الجديد. بل إن انتقال المخيم إلى سيادة الدولة يفتح أمام الأطراف الدولية مقايضة أمنية صامتة: دول كانت ترفض استعادة رعاياها قد تجد في إدارة دمشق للملف مخرجاً قانونياً وواقعياً، سواء عبر تعامل غير معلن مع الدولة السورية أو عبر السكوت عن إجراءاتها، مقابل التخلص من عبء سياسي وأمني طال تجنّبه. في هذا المعنى، يتحول الهول من نقطة إحراج دولي إلى رافعة اعتراف أمني ضمني بقدرة الدولة على إدارة أخطر الملفات.
السيادة الإجرائية: الاختبار الحقيقي
يمثّل مخيم الهول اليوم أكثر من مجرد تحدٍ أمني. إنه مختبر مبكر لقياس السيادة الإجرائية: أي قدرة الدولة على تحويل كيان عاش سنوات طويلة خارج القانون إلى جزء من النسيج الإداري والقانوني للدولة. والسيادة هنا لا تُقاس برفع علم أو بنشر حراسة، بل بقدرة المؤسسات على القوننة، والمأسسة، وتفكيك الخطر اجتماعياً لا أمنياً فقط.
وتزداد هذه المهمة تعقيداً لأن المخيم يضم جيلاً وُلد ونشأ داخل فضاء استثنائي، خارج أي عقد اجتماعي طبيعي. وهذا يضع الدولة أمام سؤال جوهري: كيف يمكن إدماج جيل لم يعرف الدولة أصلاً في منظومة سيادية جديدة؟ كما أن علاقة المخيم بالبيئة المحلية - التي عاشت بدورها سنوات من الانفصال الإداري - تضيف طبقة إضافية من التعقيد على عملية القوننة.
وتبرز هنا حساسية اللحظة الانتقالية، إذ ترافقت الساعات الأولى من تبدّل الجهة المشرفة على المخيم مع تقارير متضاربة عن محاولات تهريب وفوضى أمنية محدودة، لم تُحسم وقائعها بعد، لكنها تعكس هشاشة أي انتقال من منطق الاستثناء إلى منطق القوننة، وتؤكد أن السيادة الإجرائية تُختبر في التفاصيل لا في الإعلانات.
ثلاثة مسارات محتملة
يقف مخيم الهول اليوم عند مفترق طرق. المسار الأول هو النجاح النسبي: قوننة تدريجية، ضبط أمني مستقر، وتفكيك بطيء للخطر ضمن مؤسسات الدولة. المسار الثاني هو التعثر: إدارة المخيم بالمنطق الأمني نفسه، لكن تحت راية الدولة، بما يعني إعادة إنتاج الاستثناء بصيغة جديدة. أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في تحويل الهول إلى نموذج دائم للاحتواء داخل السيادة، حيث تُدار الأزمة إلى أجل غير مسمى من دون حل جذري.
في هذا المعنى، لا يكشف مخيم الهول مستقبل سوريا، لكنه يختبره مبكراً. فهو ليس المشكلة بحد ذاته، بل المرآة الأوضح لما خلّفته سنوات الفراغ: ملفات أُديرت بالنيابة، وحان وقت دفع كلفتها السياسية والإدارية، داخل السيادة لا خارجها.











0 تعليق