نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مجلس السلام ولجنة إدارة غزة: تهميش الأمم المتحدة وإعادة هندسة الوصاية - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 01:53 مساءً
حسين سعيد
أثار طرح الرئيس الاميركي دونالد ترامب حول بناء مجلس السلام الكثير من الأسئلة الجوهرية لجهة دور ومستقبل الامم المتحدة، أو كيفية إدارة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، بعيداً عن المنظمات الدولية والقانون الدولي، وعن الصيغ الجديدة التي تحضر لإدارة قطاع غزة... وعن الصراع برمته.
هذا الأمر لا يتعلق بهيئة تقنية أو ترتيب إداري ولوجستي بإعادة تعريف أسس الصراع بعيداً عن القرارات الدولية، ومن ثم صياغة إطار سياسي ناظم للقضية الفلسطينية، فمجلس السلام يهمش دور الامم المتحدة.
لا مشروعية أممية أو دولية للمجلس المزمع إنشاؤه، وهو بالتالي يفتقر إلى أسس دولية تحكم الإطار السياسي لصراع ما زال قائماً منذ سبعين سنة ونيف. هو يقوم على شرعية القوة التي تفرض إرادتها وواقع وميزان قوى جديد يستطيع إملاء شروطه على باقي القوى، متجاوزاً دور الأمم المتحدة كقوة شرعية، ويلغي دور المبعوثين الأمميين، ويقضي على دور المؤسسات الدولية، إلا مما يسمح لها بتقديمه على المستوى الانساني.
ما يفعله الرئيس الاميركي عن طريق "تحكيم ضميره"، بحسب ما أعلن عنه بنفسه، في مقاربته لإدارة سياسات الولايات المتحدة، بعيدا عن جميع المنظمات الدولية، لا يعد تهميشاً شكلياً بل بنيوياً يطال الأسس التي قامت عليها هذه المنظمات بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تمخض عنها نظام عالمي ما زالت قواعده سارية في مجمل الصراعات العالمية. ولا ننسى طريقة الابتزاز السياسي التي يستعملها ترامب في طريقة دعوته زعماء العالم للأنضمام إلى مجلسه، فحتى أقرب حلفائه مضطر لدفع مليار دولار لقبول العضوية.
لجنة إدارة غزة برئاسة علي شعث
لا تعدو كونها هيئة إدارية تكنوقراطية محايدة، لا تتمتع بأي صلاحيات سياسية، ولا علاقة لها برسم الأطر السياسية لمرحلة إدارة غزة. فهي أشبه ما تكون بوسيط من نسيج فلسطيني تفعل ما يُملى عليها، وتنطبق عليها صفة ذراع تنفيذي لمجلس السلام.
لا تستطيع هذه اللجنة حتى الدخول إلى قطاع غزة المعنية بإدارته من دون إذن أو موافقة إسرائيلية، وهذا ما سيكون عليه الحال عند رسمها خطتها لتقديم المساعدات اللوجستية للمنكوبين داخل القطاع. فالاسرائيلي يتدخل في كل تفصيل تحت ذريعة منع عودة "حماس" إلى القطاع. وهذا يعني أن اللجنة لا دور لها في حكم غزة، وممنوعة من القيام بأنشطة سياسية. إنها قائمة فقط كأداة لجهة أعلى منها، هو مجلس السلام، وليس الشعب الفلسطيني ولا مؤسساته الوطنية.
موقع نيكولاي ميلادينوف
يقتصر دور وموقع المفوض السامي الجديد والمبعوث الأممي السابق لتسوية عدة نزاعات في العالم على أن يكون صلة وصل بين مجلس السلام ولجنة إدارة غزة. فهو مجرد من الصلاحيات، ولا صفة تنفيذية له.
تكمن أهميته في تمتعه بقدرات عالية في فن التواصل مع الأطراف المتنازعة، وربما يقتصر دوره على تخفيف حدة الاحتكاكات بين الاطراف المتنازعة، وهندسة التفاهمات، وتقديم مقترحات.
الفرق هذه المرة هو أن تعيين ميلادينوف لا يحمل صفة دولية، وهو يعمل بالتالي خارج إطار الشرعية الأممية. وهذا يعكس التحول الاميركي في مقاربة إدارة الصراعات الدولية من خارج عباءة الأمم المتحدة ومتفرعاتها.
وهنا، تكتمل الصورة على الشكل الآتي:
- مجلس سلام هو صاحب القرار السياسي والفعلي، فالقرارات التنفيذية منوطة به حصراً.
- لجنة شعث هو إدارة تنفيذية تابعة مجردة من الصلاحيات السياسية.
- نيكولاي ميلادينوف وسيط تقني غير رسمي.
وهذا كله يعني ولادة وصاية دولية غير معلنة وغير رسمية، من دون تفويض شرعي أممي، ما يزيد في تغييب الأفق السيادي للقضية الفلسطينية. وهذا يأخذنا إلى الاستنتاج أن مجلس السلام ليس مشروع حلّ، بل هو مشروع إدارة للظروف الراهنة بهدف ترسيخ التعاطي مع القضية الفلسطينية بنقلها من الوعاء الدولي الأممي إلى مجرد إدارة ملف إنساني لوجيستي إداري.
وربما يذهب البعض الى وصف مجلس السلام بأنه أقرب الى جمعية خيرية تدير ملفاً إنسانياً صغيراً، بهدف تهميشه من إطار سياسي فعلي يريد حلاً فعلياً إلى إزمة طال انتظار حلها.
مبنى في غزّة (ا ف ب).












0 تعليق