سوريا وطن التنوّع: الكُرد شركاء في التاريخ وصنّاع في النهوض - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سوريا وطن التنوّع: الكُرد شركاء في التاريخ وصنّاع في النهوض - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 09:23 صباحاً

جرجس منير حنا - باحث في العلاقات الكنسية والمسكونية - مصر 

سوريا ليست رقعة جغرافية صامتة، ولا كياناً أحادي اللون أو الصوت، بل هي وطنٌ تشكّل عبر قرون طويلة من التنوّع الإنساني والحضاري. ومن يقرأ تاريخها بصدق يدرك أن قوتها لم تكن يوماً في الإقصاء، بل في التكامل، ولم تكن في الإنكار، بل في الاعتراف المتبادل.
لقد ظللتُ لمدة طويلة أتابع بقلقٍ عميق ما يجري لبعض المكوّنات السورية، ولا سيّما منها المكوّن الكردي في مناطق مثل الشيخ مقصود والأشرفية في حلب وغيرها من المناطق السورية، حيث تتكرّر أنماط من التهميش أو الاستهداف أو التشكيك بالانتماء، كأننا لم نتعلّم بعد أن الدم السوري واحد، وأن كرامة الإنسان لا تُجزّأ.

AFP__20260119__938A8KE__v1__MidRes__Syri

إن سوريا في حقيقتها التاريخية، هي دولة قوميات وأديان وثقافات، تشكّلت من تفاعلٍ حيّ بين شعوبٍ متجذّرة في هذه الأرض. فالسوريون ليسوا كتلة واحدة مصمتة، بل فسيفساء غنيّة:
● السريان والآشوريون بجذورهم الآرامية والرافدية العميقة
● الأرمن بتاريخهم الكفاحي وثقافتهم المتجذّرة في المدن السورية
● الروم بتراثهم المشرقي البيزنطي
● العرب بمختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية
● الكُرد بهويتهم القومية ولغتهم وثقافتهم
● الدروز والعلويون والإسماعيليون والشيعة.
هذا التنوّع ليس تهديداً لوحدة سوريا، بل هو شرط وجودها واستمرارها. وكل محاولة لبناء دولة سوريا على أساس لون واحد أو هوية واحدة، هي محاولة محكوم عليها بالفشل، لأنها تتناقض مع جوهر هذا الوطن.
أما المكوّن الكردي فهو جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج السوري. وجوده في شمال سوريا، وفي حلب وريفها، وفي الجزيرة والفرات، ليس عابراً ولا وليد حدود سياسية حديثة، بل هو امتداد تاريخي ضارب في عمق الجغرافيا والتاريخ.
عاش الكُرد إلى جانب العرب والسريان والأرمن، تشاركوا الأسواق، والزراعة، والتجارة، والدفاع عن المدن، وصناعة الحياة اليومية. ولم يكن حضورهم في مدن مثل حلب هامشياً، بل فاعلاً ومؤثراً، ساهم في ازدهارها الاقتصادي والاجتماعي.
و ينتمي الكُرد تاريخياً إلى الشعوب الهندو–أوروبية، وتعود جذورهم إلى الميديين، إحدى أقدم القوى السياسية في الشرق القديم. وعلى مرّ القرون، شكّل الكُرد عنصراً أساسياً في تاريخ المشرق، لا بوصفهم جماعة منغلقة، بل بوصفهم شعباً مندمجاً في محيطه، مساهماً في دوله وإمبراطورياته.
وفي السياق السوري–الإسلامي، يبرز اسمٌ لا يمكن تجاوزه:
"السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي"
صلاح الدين الأيوبي، هذا القائد الكردي الأصل، لم يكن رمزاً قوميّاً ضيقاً، بل كان مشروعاً وحدوياً جامعاً. انطلق من دمشق، واتخذها عاصمة لدولته، وجعل من سوريا قلب مشروعه السياسي والعسكري والحضاري.
لم يسأل صلاح الدين عن عرق جنده ولا عن طائفة رعيته، بل جمع:
الكُرد و العرب و التركمان و السريان، تحت راية واحدة، وحرّر القدس باسم الأمة والعدل، لا باسم العِرق.
إن العلاقة بين الكُرد وسوريا ليست علاقة ضيافة، بل علاقة صناعة تاريخ مشتركة، وصلاح الدين شاهدٌ حيّ على أن الكرد كانوا، ولا يزالون، عنصر توحيد لا تفكيك.
و إن أي انتهاك يتعرّض له الكردي السوري، أو أي محاولة لإقصائه أو نزع هويته أو إنكار حقوقه، ليست مسألة كردية فحسب، بل هي خطر وجودي على مستقبل سوريا. فالدولة التي لا تحمي جميع أبنائها، تتحوّل إلى سلطة، لا وطن.
إن ما يجري في بعض المناطق من خطاب كراهية أو تهميش أو استباحة للمدنيين، هو جرح في الجسد السوري بأكمله، ولن يندمل إلا بالعدالة والاعتراف.
و سوريا التي يريدها السوريون ليست دولة الغالب والمغلوب، بل:
● دولة المواطنة المتساوية
● دولة تعترف بالتنوّع القومي والثقافي
● دولة تحمي اللغات والهويات ضمن إطار وطني جامع
● دولة تُجرّم الإقصاء وتقدّس كرامة الإنسان
"الوحدة لا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بالعدل، والعدل لا يتحقق دون الاعتراف بالآخر."
إن الدفاع عن حقوق الكُرد في سوريا، وعن حقوق كل مكوّن سوري، هو دفاع عن وحدة سوريا الحقيقية. فالأوطان لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة، ولا تستقر بالقمع، بل بالشراكة.
سوريا لن تنهض إلا بجميع أبنائها، ولن تكون قوية إلا بتنوّعها، ولن تستعيد مكانتها إلا إذا تعلّمت من تاريخها، حيث كان التنوّع دائماً مصدر قوة، لا سبب ضعف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق