نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أجراس تائهة في زحام المدينة.. أزمة الحنطور إرث يلفظ أنفاسه في شوارع بني سويف - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 06:03 مساءً
تشهد شوارع عاصمة محافظة بني سويف مشهدًا مأزومًا يعكس تناقضات صارخة. تُجسد عربات الحنطور، تلك المركبات الخشبية التي تجرها الخيول، هذه التناقضات بأقصى صورها، فهي رمز تراثي يتداعى، ومصدر رزق شحيح، وبؤرة لاختناق مروري، ومسرح أحيانًا لسلوكيات مجتمعية تستفز السكينة العامة وتنتهك حرمة الطريق.
مشهد يومي يختزل الأزمة تشهد المنطقة المحيطة بمحطة سكة حديد بني سويف، القلب النابض لحركة التنقل الداخلي، فصول هذه المعاناة يوميًا. يُطل من هناك مشهد لعشرات العربات الخشبية المتوقفة عشوائيًا، بينما تتعالى أصوات سائقين يبحثون عن ركاب بين القادمين والمغادرين. هذا التجمهر، الذي يُشكل عقبة دائمة في حركة السير، هو مجرد الجزء الظاهر من جبل الجليد.فتحت سطح هذه الأزمة المرئية، تغلي معاناة اقتصادية خانقة لعائلات تعتمد على هذا المهنة الآيلة للانقراض، وتنتشر شكاوى موثقة من مواطنين عن سلوكيات لفظية خادشة للحياء من قبل بعض العناصر، مما يضيف بُعدًا اجتماعيًا مُقلقًا لأزمة هي في الأساس مرورية واقتصادية بين الزحام والانتهاك اللفظي
لطالما ركزت الشكاوى الرسمية والشعبية على الجانب المروري والبيئي، حيث تُعيق العربات المتجمعة تدفق السير وتسبب تلوثًا من مخلفات الخيول. ولكن التحقيق يكشف عن بعد آخر أعمق إيلامًا، يُعبّر عنه الأهالي بمرارة. فقد تحول الموقف العشوائي، في نظر العديد من الأسر وخاصة السيدات والفتيات إلى مكان يتجنبن المرور منه خوفًا من التعرض لما يُعرف بـكلام الشارع أو التحرش اللفظي.
صوت الأهالي شهادات على خط النار
تؤكد فاطمة علي منصور (ربة منزل) أن منطقتي محطة القطار والسوق المجاورة أصبحتا مصدر رهبة الموقف تحول لكابوس لازم أدور على طرق أطول علشان أتفادى المكان فيه من سائقين الحنطور من يطلق تعليقات واستفزازات وهو يرى سيدة أو بنت تمشي، ولو كانت مع أسرتها هذا الشعور بعدم الأمان يتقاسمه المواطن محمد عبد الرحمن جمعه، الذي يشير إلى مفارقة غريبة التراث جزء من هويتنا، ولكن عندما يتحول لذريعة لمضايقة الناس في الطريق العام، فهنا يجب أن تقف الدولة بحزم. الأغلبية ربما محترمون، لكن قلة قليلة تُشوه صورة الجميع وتجعل وجود العربات مصدر تهديد وليس خدمة أو تراثًا
وجه آخر للمعاناة سائقو الحنطور تحت وطأة الفقر والنسيان
في المقابل، لا يمكن فصل هذه السلوكيات المنحرفة عن السياق الكارثي الذي يعيشه مهنة سائق الحنطور. فالسائق عبد الله جمال محمد (٥٥ عامًا) يروي قصة انهيار المهنة كنت أشعر بالفخر وأنا أقود زفة العرسان اليوم، أعمل بدون ترخيص، وأهرب من شرطة المرافق، وأعيش على حوافش يوم لا يضمن قوت أولادي يُكمل بأن الإيراد اليومي من العمل حول محطة القطار بالكاد يُغطي ثمن علف الحصان، ناهيك عن مصاريف البيت والعلاج. هذا الوضع الاقتصادي المُزرِي واليأس من المستقبل يخلق بيئة حاضنة للإحباط، وقد تدفع البعض، للأسف، إلى انحرافات سلوكية كتعبير خاطئ عن الاحتجاج أو الإهمال.
هل من مخرج يحفظ التراث والكرامة معًا
أزمة الحنطور في بني سويف تختزل إشكالية التنمية غير المتوازنة. فالمحافظة تشهد مشروعات قومية كبرى للبنية التحتية، بينما تُهمل أزمة إنسانية واجتماعية صغيرة لكنها مؤثرة. الحل لا يكمن في القمع أو الإزالة فقط، بل في التنظيم العاجل تخصيص مواقف منظمة بعيدًا عن نقاط الازدحام، وإعادة النظر في منح تراخيص مؤقتة تشترط الالتزام بمعايير سلوكية، وربما دمج هذه العربات في مسارات سياحية تُخرجها من نطاق النقل اليومي المأزوم. المطلوب هو رؤية تحول هذا التراث المهمش من عبء إلى مورد، ومن مصدر إزعاج إلى نقطة جذب، على أن يُصاحب ذلك حملات توعية للعاملين في المهنة وتطبيق قانوني صارم على كل من يتعدى حدود الآداب العامة. الوقت يداهم ما تبقى من أجراس هذه العربات، والأهم، يداهم سلامة وطمأنينة المواطنين في شوارع مدينتهم.

















0 تعليق