نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القارب الحالم - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 02:36 مساءً
داخل أحد الثغور على شاطئ وطن الأرز الجميل، خلّد علي شحرور لحظة من السكون الذي يسبق العاصفة، في تحفته لوحة "القارب الحالم".
ببراعة تقنية مذهلة، كسر شحرور السكون بانذهال الناظر إلى لوحته، جاعلاً من المُشاهد دخيلاً يقتحم الصمت، ليواجه منظر قارب حالم بابحار قريب، وسط تفاصيل جماليّة دقيقة من منظر الحصى إلى حبل مربوط بمكان مملوء بزمان لا يرحل.
القارب خالٍ، قد يأتي الصيّاد يوماً ليعتقه من ثغر يأسره في الانتظار. هذا القارب لا يؤنسه سكون البحر، فأمنيته الغافية مرافقة شخطورة في رحلة صيد وملاطمة الأمواج. لكنّ البحر انطوى سكوناً في ذاك الثغر الصغير من دون حدود للأحلام.
همسات حصى يحتضنها صفاء الماء، والقارب ليس خاوياً، بل أنّ الحنين يفيض من قعره لأقدام حافية لصيّاد يضعه مع أمنياته، على باب ثغر ورغبة شقية للإبحار والمغامرة.
قارب تجول في خاطره فكرة الانعتاق من طوق الصخور التي تحيط بالمرفأ الصغير، لأنّ فرشاة خيال فنّان قد ولدته من رحم خيالها، لهذيان الموج المتتالي. فكيف يستريح في سكينة المرفأ الصغير، والأسماك تسبح بعيداً عارية حيث البحر ملحٌ وماءٌ ومغامرات؟
الحلم بصيّاد يمتهن الإبحار والغياب، يراود قارباً حالماً بموجة تغسله بزبدها المتلاطم على مقدّمته. لكن الحلم بعيداً عن التحقّق، لأنّ صياداً معتاداً على المجازفة، استعار مجذافين بعد أن كسرت العاصفة مجذافيه، ورحل في لجج الموج، ولم يعد إلاً لحلم أرملة بلقاء بعلها ووالد أيتامها.
هذه اللوحة تجمّد الزمان قبل الإبحار، فكيف لا نستمع بقلبنا لهذا المشهد الذي يجسّد حلمنا بالسفر، كحلم قارب يرسو بهدوء في ثغر يحمي من يلجأ إليه من العواصف البحرية المولّدة للأمواج الصاخبة؟ فداخل هذا الثغر الصغير خلّد علي شحرور لحظة حلم يرسو بهدوء مع قارب، ليعاودا الإبحار في عالم الخيال إلى عوالم أرض جديدة كتلك التي خلف رأس الرجاء الصالح.
قارب يدرك في عمق السكون القابع داخله، أنّ أحلامه لن تتوقّف عن مناجاة الموج العاتي وغنج الزبد الذي ينسرح مداه على متنه المرتعش. فهو يعي أنّ الهدوء المخيّم على المرفأ الصغير، لن يزول إلاً بتزاوج والتقاء حميم بين شبكة صيّاد تلتمس حفيف انزلاق على قارب حالم، وبين يمّ كريم بكرم البحر. فالسكون المخيّم داخل إطار اللوحة، لا ينفكّ يرسل إشارات ورموزاً غريبة، لا يدرك كنهها إلاً من وعى بحق معادلة الحياة التي تتمخَّض عن حلم ينسكب بجلال اللحظة، وشبق الهوى بالسفر. وخرج الحلم من مفاتن فرشاة سجدت لصمت اللحظة، ولم تذب في روتين الهدوء الذي تليه عواصف وعواصف.
هل أتاك حديث الحصى؟ ومن خطّ لأرزة أن تزهو رسماً على متن قارب؟ ومن رصف الحجارة الملوّنة تحت مياه بلّوريّة عقيقاً حصاةً حصاةً؟ أيّتها النجوم الناظرة من المجرّة اسمعي: إنّه شاطئ لبنان الجميل!!!








0 تعليق