ابنية متصدعة ام بلد متصدع - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ابنية متصدعة ام بلد متصدع - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 11:13 صباحاً

 طلال خواجة

 

 

 

في ورقة النعي التي حملت إسمي ضحيتي فاجعة المبنى المنهار في القبة/طرابلس إليسار المير ووالدها، كتب "يصلى عليهما في مسجد قريتهما مار توما في عكار".
عادت بي الذاكرة الى وفاة زميلي في كلية العلوم في القبة د. نقولا فارس حين حضرنا جنّازه في كنيسة الشيخ محمد في عكار أيضاً.
ما أعادني أيضاً الى بعض الذكريات بين جامع محمود بك وكنيسة السيدة المتجاورين في التبانة.
تلك خصوصية لبنانية جعلت البعض يقول داخل كل مسلم لبناني نكهة مسيحية وداخل كل مسيحي لبناني نكهة مسلمة.

WhatsAppImage20260126at7.23.01AM_085953_

لم تكن قبة النصر الحي الطرابلسي الوحيد الذي جذب اليه أهل القرى والبلدات الشمالية بتنوعهم الغني واحتضان  الكثير من العائلات اللبنانية التي اختارت السكن في مدينة الود والإلفة الاجتماعية. وذلك رغم القلق الطرابلسي الدائم الذي يتأرجح منسوبه مع ميزان الأحداث والفوالق السياسية المتحركة منذ القرن التاسع عشر والتي افقدت المدينة العريقة في المقابل وتباعاً الكثير من نخبها الاقتصادية والاجتماعية والمهنية والثقافية والعلمية، نحو بيروت الكبرى ونحو عواصم العالم الكبرى، كما نحو مدن الخليج الصاعدة . 
إلا أن لحي القبة الذي يتمدد على تلة طرابلسية جميلة تشرف على القلعة والنهر، وتربط المدينة بمعظم أقضيتها قصة أخرى. فقد جذبت التلة في مطالع القرن الماضي شركة IPC والقيادة الفرنسية، فضلاً عن المدارس
والإرساليات كالمدرسة الانجيلية ومدرسة الراهبات والمدرسة الأرثوذكسية، وسكنتها كوكبة من العائلات الطرابلسية الت لايزال بعض بيوتها القليلة يشهد على حس معماري جميل، رغم الندوب والهريان والتآكل والانهيار الذي رافق زمنها القاسي.
شكل موقع القبة ومناخها، معطوفاً على وجود بعض المرافق الحيوية فيها كالريجي والنافعة والمستشفى الحكومي وقيادة المنطقة، ولاحقاً فروع الجامعة اللبنانية، عامل جذب الى الحي و جواره.
ومع أن هذا الجذب أخلّ بالطبيعة البيئية والاجتماعية للسكان وزاد من كتل الباطون العشوائية على حساب المساحة الخضراء، إلا أنه أرسى حيويةً وتنوعاً جعلا لخلطة الحي نكهةً تكاد أن تلخص العائلة اللبنانية. كما تعززت في شوارع المنطقة في الستينات ولاسيما منها شارع الأرز ملامح التحديث والعصرنة التي طبعت شارع عزمي والبولفار ووسط المدينة عموماً.
لم تكن الطلقات النارية الأولى في أعالي القبة بين الأهل في طرابلس وزغرتا عند انفجار الحروب في سنة 1975 المؤشر الأول على تدهور الحي والمدينة عموماً، ذلك أن البعض أَلبَس بعض أزقة طرابلس ثياب العسكرة والفوضى مبكراً.
غير أن للقبة وجوارها في بعل محسن والتبانة وضهر المغر حصة مضاعفة في التداعيات العمرانية والديموغرافية والاجتماعية والبيئية، خصوصاً مع الحقد الخاص الذي كان يحمله نظام "الأسدين" المجرم نحو قارورة الطيب الطرابلسية، كما أطلق نزار قباني على الفيحاء.
شكل مشروع الحريري في القبة بمواصفاته النوعية محاولة لقلب المعادلة وإعادة شرائح من الطبقة الوسطى الى المنطقة، وحاولت جمعية "بوزار للثقافة والتنمية" محاكاة المشروع مطلقةً حركةً تحديثيةً بترميم مباني العلوم و المنطقة المحيطة في شارع الجيش وإنشاء "جدار بوزار للسلام" و"نصب بوزار للتواصل الثقافي والاجتماعي"، تمهيداً لتأسيس "المركز الانمائي والاجتماعي"، بالتعاون مع البلدية والجامعة اللبنانية وجمعيات ومؤسسات رسمية ومدنية. 
كذلك رمّمت جمعية "فرح العطاء" مباني كثيرةً متضررةً من الحروب والتفجيرات والفقر والاهمال، إلا أن تحرك الفوالق السياسية في سوريا ولبنان وانطلاق الربيع السوري ودخول "حزب الله" طرفاً في قمع الشعب السوري المنتفض، أدخل المدينة مجدداً، من نوافذ القبة وبعل محسن والتبانة، في مواجهات دامية بين الأهل.
وما كادت الفيحاء أن تتنفس قليلاً بعد توقف جولات العنف، حتى انفجر البلد "المخطوف" بأزمات متعددة استدعت انتفاضة الغضب، تلتها جائحة كورونا وحرب الإسناد العبثية التي جذبت الوحش الاسرائيلي واستجرت الموت والتدمير.
ورغم ان المدينة شكلت أيقونة الإنتفاضة، إلا أن الإختراقات والتداعيات الأمنية والاجتماعية، مصحوبةً بالفوضى و التجاوزات والمخالفات، وخصوصاً في المناطق المهمّشة، أعادت تظهير قضايا طرابلس البنيوية وأزماتها، وفي مقدمها أزمة الأبنية المتصدّعة التي عقّدتها الحروب والعوامل الطبيعية و"المخالفات المحمية" وتراجع الصيانة الضرورية بسبب الاهمال من جهة ومشكلة الايجارات وضعف الامكانات وانكفاء أجهزة الدولة أو فسادها من جهة أخرى. وأزمة الصيانة متمددة في كل المدينة، بما فيها المباني الحديثة نسبياً والتي تمتاز بـ"التشويه الحديث" الفاقد الحس المعماري الجميل الذي طبع المدينة قبل الغزو الباطوني القبيح.
لقد شهدت إليسار التي أخرج جثمانها الدفاع المدني بعد أيام مضنية، أوسع حملة تضامن، تكاد أن توحّد جميع اللبنانيين الذين رأوا في معالجة الأبنية المتصدعة ترميماً لبلدهم المتصدع.
وحسناً فعل رئيس الحكومة بالحضور العاجل الى طربلس المفجوعة قادماً من باريس، على أمل ان تتضافر الجهود لتكون بداية جدية لمعالجة هذه الأزمة بأبعادها المختلفة وفي مقدمها البعد الانساني.
والأمل موصول بأن تستعيد الدولة الإمساك بزمام الأمور عبر تطبيق القوانين العادلة، ليس في قضايا البناء والايجارات والتجاوزات والبيئة التي شهدت تدهوراً مفجعاً فحسب، بل في جميع القضايا الساخنة التي حولت وطن الأرز الى بلد متصدّع، وفي مقدمها قضية احتكار العنف وحصر السلاح بكل أنواعه و"مقاساته" في قواها الشرعية.

 
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق