نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مغارة القديس مارون في الهرمل... تاريخ روحي يحفر بالصخر حكاية وطن (صور وفيديو) - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 10:23 صباحاً
بينما كان العاصي ينساب بهدوء أزليّ تحت ظلال صخور الهرمل، لم تكن المغارة المعلّقة في قلب الجبل المطل عليه مجرد معلم أثريّ صامت، بل بدت صباح التاسع من شباط قلباً نابضاً يضخّ الحياة في ذاكرة البقاع.
هنا، في هذا الملاذ الصخري الذي شهد ولادة النسك الماروني، يتجاوز المشهد كونه احتفالاً دينياً تقليدياً، ليصبح تقريراً حياً عن "البدايات" التي لم تغادر مكانها بعد.
شرح لتاريخ المغارة والدير. (لينا إسماعيل)
نبض الجبل وذاكرة الأجيال
في هذا العيد، لم يقتصر الحضور على وفود المؤمنين والسيّاح فحسب، فمع وصول الوفود، يصدح صوت الجرس الكبير المعلق عند مدخل الدير، قرعه الثقيل يتردد صداه في الوادي، كأنه يوقظ السكينة ويذكّر بقدوم الزوار.
على طول الدرج المؤدي إلى الدير المنحوت في الصخر، يبرز مشهدٌ يفيض بالعفوية والجمال: مجموعات من تلاميذ المدرسة المارونية في بعلبك. هؤلاء الفتية، الذين اعتادوا أن يكون مار مارون "شفيعاً" لمدرستهم، لم يكتفوا بالاحتفال به خلف الجدران الإسمنتية، بل حملوا تقليدهم السنوي وصعدوا به إلى حيث بدأت الحكاية، بما يعيد تسليط الضوء على دورها التاريخي الذي غالباً ما يغيب عن الكتب المدرسية التقليدية.
خشوع.
لا تأتي هذه المشاركة في إطار النزهة المدرسية العادية، بل كجزء من منهج تعليمي ميداني يهدف إلى ربط الطلاب بجذور مؤسستهم وتاريخ شفيع مدرستهم.
لقطة تذكارية.
يملأون ردهات الدير الصخري بحيويتهم، يتوزعون بقمصانهم المدرسية، يستمعون الى شروحات لا تتوقف عند حدود السيرة الذاتية للقديس مارون، بل تتعداها إلى الجغرافيا السياسية والدينية للمكان.
هنا، يشرح المعلمون لتلاميذهم كيف كان هذا الدير المعلق فوق العاصي بمثابة "غرفة عمليات روحية"؛ فمن هذه المغارة تحديداً، انطلق الرهبان الأوائل في رحلات تبشيرية شملت سهل البقاع وصولاً إلى أعالي الجبال اللبنانية، حاملين معهم بذور الثقافة والتعليم التي شكلت لاحقاً هوية المنطقة.
تلميذات.
أطفال وفتيان يتبعون خطى أساتذتهم بين تجاويف المغارة، يتلمسون الحجر الذي نحته الرهبان الأوائل بأيديهم.
هنا، خلف هذه الفتحات التي تطل على مجرى نهر العاصي، لم تكن "الحصة الدراسية" عادية؛ فالكلام عن تاريخ الدير الذي سكنه الرهبان الموارنة الأوائل تحوّل إلى تجربة حسّية.
جغرافيا الروح... من العاصي إلى الجبل
الزائر للمغارة اليوم يدرك أن هؤلاء التلاميذ لا يتعلمون التاريخ كأرقام صماء، بل كمسارٍ جغرافي بدأ من هنا، من هذا العلو الشاهق فوق النهر، ليمتد صليباً ومنارةً نحو كل لبنان.
بينما كانت شمس الشتاء تداعب وجه المغارة، كان التلاميذ يطرحون أسئلة عن "حياة التقشف" و"قوة الإرادة" التي جعلت من هذا الصخر ديراً منيعاً.
هذا التقليد السنوي للمدرسة حوّل العيد من مجرد "عطلة" إلى رحلة استكشافية للهوية؛ حيث يتعرف الجيل الجديد على الدور المحوري الذي لعبه رهبان الهرمل في صوغ وجدان المنطقة، وكيف خرجوا من عتمة هذه المغارات ليضيئوا الجبل والسهل بالعلم والروح.
الهرمل.. جسر الزمان
في ختام اليوم، وحين تبدأ الحافلات المدرسية بالتحرك عائدة نحو مدينة الشمس (بعلبك)، يترك هؤلاء الصغار خلفهم شموعاً مشتعلة وضحكاتٍ علقت في صدى الوادي. تبقى مغارة مار مارون في الهرمل، بصمتها المهيب، شاهدة على أن التاريخ ليس كتاباً يُغلق، بل هو رحلة مستمرة.
ما يحدث في كل عيد هو "إعادة ضبط" للبوصلة الوطنية والروحية؛ حين تلتقي بساطة القداسة بفضول الطفولة، وحيث يثبت أهل البقاع ومدارسهم أن الجذور التي نبتت فوق ضفاف العاصي، ما زالت قادرة على إرواء عطش الأجيال القادمة الى الانتماء والحقيقة.
بمغيب الشمس، تعود الحافلات نحو بعلبك، تاركة خلفها المغارة شامخة بصخرها. لكن الرسالة التي يحملها هؤلاء الطلاب معهم هي الأهم: إن تاريخ لبنان لم يبدأ من الساحل أو من قمم الجبال العالية فحسب، بل صاغ العاصي وجرود الهرمل الفصول الأولى من حكاية هذا الوطن وتاريخه الروحي.













0 تعليق