نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحفريات الأثريّة في سلوان: أداة تهجير تحت غطاء التاريخ - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 06:23 صباحاً
منذ احتلال مدينة القدس عام 1967، تتعرض بلدة سلوان لأبشع أنواع الاضطهاد والممارسات العنصرية التي تهدف إلى منع تطورها وازدهارها الطبيعي. ويتم ذلك من خلال مصادرة الأراضي بطريقة ممنهجة وبذرائع مختلفة، في إطار سياسة تهدف إلى تهويد المنطقة وتهجير سكانها الفلسطينيين. وتستغل السلطات الإسرائيلية قوانين البناء وقانون "حارس أملاك الغائبين"، في ظل انعدام المخططات العمرانية المعتمدة للحي، حيث تصنّف البلدية المنطقة على أنها منطقة خضراء وضمن مشاريع الحدائق الوطنية، وتدّعي أنها الجهة الوحيدة المخوّلة بالتصرف فيها.
في هذا السياق، تستغل الجمعيات الاستيطانية هذا الواقع للسيطرة على ممتلكات الفلسطينيين، وهدم منازلهم لمصلحة تنفيذ مخططاتها ومشاريعها الاستيطانية، الأمر الذي تسبب في تقليص مساحة البلدة إلى نحو 6000 دونم، بعدما كانت تُقدّر بحوالي 73,000 دونم.
تقع بلدة سلوان في الجهة الجنوبية الشرقية لأسوار البلدة القديمة والحرم القدسي الشريف، وتتمتع بمكانة استراتيجية وأهمية تاريخية وجغرافية كبيرة. يحدّها من الشرق وادي قدرون الذي يفصلها عن جبل الزيتون، ويقدَّر عدد سكانها بنحو 60 ألف فلسطيني، مقابل نحو 2800 مستوطن إسرائيلي.
وتُعد سلوان واحدة من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في القدس، لكونها مصدراً رئيسياً للمياه، ما جعلها منطقة حيوية ومكاناً مناسباً للاستقرار منذ نحو 5000 عام، بحسب الأبحاث التاريخية. كما تحتوي على آثار تعود إلى العصور البرونزية والحديدية، والرومانية والبيزنطية، إضافة إلى العصور الإسلامية الأموية والعباسية والفاطمية، ثم المملوكية والعثمانية. وتشير الحفريات الأثرية إلى أن اليبوسيين حفروا نظاماً مائياً بدائياً لجلب المياه من العين إلى داخل أسوار البلدة القديمة.
المسجد الأقصى كما يبدو من بلدة سلوان. (النهار)
الحفريات الأثرية بدافع الاستيطان
يسكن الفلسطينيون في سلوان 12 حياً، فيما تدّعي الجمعيات الاستيطانية، وعلى رأسها "إلعاد" و"عطيرت كوهانيم"، أن حي وادي حلوة هو موقع "مدينة داوود" التي يُقال إن الملك داوود أنشأها بحسب الرواية الإسرائيلية، علماً أن الأبحاث التاريخية لم تثبت أن شخصية الملك داوود كانت حقيقية أو موجودة أصلاً. ومنذ تسعينيات القرن الماضي، انغمست السلطات الإسرائيلية والمستوطنون في مشروع إنشاء مستوطنة يهودية مرفقة بحديقة ترفيهية أثرية سياحية ذات طابع توراتي.
ولتحقيق هذا المشروع، تتبع السياسة الإسرائيلية منهجين أساسيين: تنفيذ حفريات أثرية واسعة النطاق للعثور على آثار تعود إلى العصور اليهودية، وخصوصاً ما يُنسب إلى عهد "الملك داوود". والاستيلاء على عشرات المنازل الفلسطينية وهدمها وتهجير سكانها قسراً، واستبدالهم بمستوطنين يهود، بهدف خلق أغلبية ديموغرافية يهودية وفرض السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.
يقوم التحالف بين الحكومة الإسرائيلية وبلدية القدس والجمعيات الاستيطانية بانتهاك تاريخ المدينة وتزويره عموماً، وسلوان على وجه الخصوص، من خلال استهداف المكان والزمان والأسماء والآثار، وبالتالي تغيير الهوية الفلسطينية الأصيلة ودعم السردية التوراتية. وبحسب علماء آثار وباحثين فلسطينيين وإسرائيليين من الجيل الجديد (الموجة الجديدة)، يعتمد المستوطنون على قطع أثرية مزيفة بوصفها ركائز يبنون عليها روايتهم، فيما يطمسون الآثار العربية الفلسطينية ويزيلونها بإصرار، متجاهلين الإرث التاريخي لكل حجر أو قطعة أثرية.
كما أن الحفريات التي تُجرى على شكل أنفاق أفقية لا تُعد أسلوباً علمياً أثرياً مشروعاً، إذ يصعب من خلالها فهم الطبقات الأرضية المتعددة والفترات التاريخية التي استُخدمت فيها. وقد استُبدل هذا الأسلوب علمياً بالحفر الطبقي العمودي، الذي يبدأ من سطح الأرض وصولاً إلى أعماقها، بما يمكّن العلماء من فهم المكتشفات الأثرية وتسلسل الطبقات المختلفة ومنع الأضرار.
تختار الجمعيات الاستيطانية مواقع الحفريات بعناية، وتسخّرها لتأكيد الوجود اليهودي، حيث تتركز الحفريات على الطبقات القديمة، وخصوصاً تلك التي تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، بينما يتم تجاهل الطبقات الأخرى وإزالتها. وتتركز الحفريات الأثرية في المنطقة المعروفة باسم "الحوض المقدس"، الواقعة بين البلدة القديمة وجبل الزيتون، وتشمل أحياء سلوان ووادي حلوة والبستان ووادي الربابة، وتمتد شمالاً باتجاه الشيخ جراح، بمساحة تُقدَّر بنحو 2.5 كم².
ويجري ربط أي اكتشاف أثري بالتوراة ومنحه اسماً توراتياً، كما يُستخدم أي دليل أثري أداةً للسيطرة الإسرائيلية على الأرض، وليس لأغراض علمية محايدة. فالدافع الأساسي ليس البحث العلمي أو التاريخي، بل السعي الحثيث لتأكيد الرواية التوراتية اليهودية، وربط حاضر المستوطنين بتاريخ المنطقة بصورة افتراضية، ومنح شرعية للسيطرة الإسرائيلية وربطها بالأيديولوجيا السياسية. وهكذا يتحول علم الآثار من أداة موضوعية محايدة إلى أحد مركبات الصراع السياسي، التي تسهم في تحويله إلى صراع ديني، وإلى أداة أساسية لتهويد الجغرافيا والتاريخ الفلسطيني وفرض الرواية الصهيونية.
كذلك، تسعى السلطات الإسرائيلية إلى إنشاء أنفاق تحت الأرض، في ما يُعرف بـ"طريق الحجاج"، الذي يربط بين بركة سلوان والمناطق القريبة من الحرم القدسي الشريف.
جانب من نفق مدينة داوود. (النهار)
تأثير الحفريات على منازل الفلسطينيين
وثّقت منظمة "عيمق شافيه" الإسرائيلية تعرض منازل الفلسطينيين لتشققات وتصدعات نتيجة الحفريات الجارية أسفلها، إضافة إلى تضرر وحدات سكنية بأكملها، ما دفع العديد من العائلات إلى مغادرتها، بعدما أصبحت خطرة وغير صالحة للسكن. وقد تسببت الحفريات وإزالة الأتربة تدريجياً بانهيارات جزئية وتصدعات واسعة وانهيارات أرضية، صنّفتها بلدية القدس على أنها خطرة وغير صالحة للسكن، وأصدرت أوامر إخلاء بحق ساكنيها.
زارت "النهار" عائلة أبو صبيح في منزلهم المكوّن من طابقين في حي العين، والذي يقطنه أكثر من 50 شخصاُ من الجدين والأبناء الثمانية والأحفاد. وقبل أسبوعين، انهار جزء من المنزل نتيجة الحفريات المستمرة منذ سنوات، وتلقت العائلة أوامر إخلاء، ما دفع ثلاثة من الأبناء إلى إخلاء عائلاتهم. وبحسب العائلة، منعتهم البلدية حتى من الاقتراب من الجزء المنهار ومعاينته أو محاولة إيجاد حلول.
الجزء المنهار من منزل عائلة أبو صبيح. (أ ف ب)
يُذكر أن بلدية القدس تصدر أوامر هدم للبيوت المبنية دون ترخيص دورياً، نظراً لكونها نادراً ما تمنح الفلسطينيين تصاريح بناء في المدينة. ووفقاً للقانون الإسرائيلي، يُعد البناء من دون ترخيص مخالفة تستوجب الهدم، حتى لو كانت المنازل مأهولة منذ عقود.
بدورها، كشفت منظمة "عير عاميم" أن نسبة موافقة السلطات الإسرائيلية على إنشاء وحدات سكنية للفلسطينيين في القدس منخفضة انخفاضاً صادماً، خصوصاً عند مقارنتها بعدد الوحدات الاستيطانية، التي تُقدّر بنحو 11 ضعفاً. ويأتي ذلك نتيجة سياسة تمييز ممنهجة تجعل حصول الفلسطينيين على تراخيص البناء شبه مستحيل، ما يجعل البناء من دون ترخيص أمراً قسرياً لا اختيارياً.
وتتحدث مديرة "مركز معومات وادي حلوة" سحر بيضون، لـ"النهار"، عن التحديات اليومية التي يواجهها أهالي سلوان، وتقول إنها "تتمثل في الحفريات وأثرها السلبي على المنازل، خصوصاً في منطقة وادي حلوة، إضافة إلى المستوطنات المنتشرة عشوائياً والملاصقة للمنازل، ووجود المستوطنين والحراس المسلحين، وفرض الغرامات العالية، وتحويلات الطرق والأزمات المرورية، والاقتحامات المستمرة للمنازل والمحال التجارية، وغيرها من الإجراءات التي تهدف إلى إخلاء المنطقة من الفلسطينيين وتضييق سبل الحياة عليهم".
وشهد عام 2024 عدداً قياسياً من عمليات الهدم بحجة عدم وجود تراخيص، إذ تم هدم 255 مبنى، من بينها 181 منزلاً. ولتجنب الغرامات الباهظة التي تفرضها البلدية، يضطر الفلسطينيون إلى تنفيذ هدم ذاتي لمنازلهم. أما السبب الفعلي للهدم في سلوان، فهو تنفيذ مشروع حديقة "الملك داوود".
رسومات غرافيتي في أحد أحياء وادي حلوة. (النهار)
تفريغ جماعي لحي البستان
يعيش في حي البستان نحو 1500 مقدسي في قرابة 120 منزلاً، يواجه نحو 80% منها خطر الهدم. وقد أخطرت السلطات الإسرائيلية 14 منزلاً بالهدم، تؤوي نحو 120 مقدسياً، ضمن سلسلة إجراءات شملت مصادرة مساحات واسعة من أراضي الحي تُقدَّر بنحو 5700 دونم. وقد تكبّد أصحاب هذه الأراضي عشرات آلاف الدولارات من المخالفات والغرامات التي فرضتها بلدية القدس، في ظل هجوم منظم وأوامر هدم فورية بموجب "قانون كامينتس".
التقت "النهار" عمر رجب (أبو مراد)، 59 عاماً، الذي بنى عام 2017 بيت أحلامه بمساحة 150 متراً مربعاً، لكن جرافات البلدية هدمته بعد ستة أشهر فقط بحجة عدم توفر ترخيص بناء. وفُرضت عليه غرامات تجاوزت 30 ألف دولار، إضافة إلى أجرة الجرافات التي نفذت عملية الهدم.
عاد أبو مراد بعد ذلك إلى منزل العائلة، حيث يعيش منذ ذلك الحين مع زوجته في مساحة لا تتجاوز 48 متراً مربعاً، ويحيط به أبناؤه السبعة وأحفاده. ومنذ نحو أسبوع، حضرت البلدية برفقة الجيش والشرطة الإسرائيلية، وسلّمت العائلة أوامر هدم جديدة خلال 21 يوماً. والمفارقة المؤلمة أن البلدية نفسها كانت قد أرسلت له قبلها إشعاراً بدفع ضريبة السكن السنوية (الأرنونا)، التي تبلغ 3200 دولار، في منطقة تعاني انعداماً شبه كامل في الخدمات البلدية ونقصاً حاداً في البنية التحتية.
وبعينين اغرورقتا بالدموع، يقول أبو مراد: "المعجزة الثامنة الممكن أن تحدث هي أن يحصل المقدسي على ترخيص بناء. بالنسبة لي، لن أرحل مهما فعلوا. سيتضاعف المبلغ الذي سأدفعه ليصل إلى 60 ألف دولار بعد الهدم الجديد، لكن إن اضطررت، فسأضع خيمة على أنقاض منزلي، فلا حلول أخرى لدينا". ويضيف: "كل ما نريده أن نعيش بهدوء وأمان، وأن يكفّوا شرّهم عنا".
أبو حسن من سلوان، يسكن مع زوجته وابنته وثلاثة أبناء من ذوي الاحتياجات الخاصة منذ 24 عاماً، وقد تم إخطارهم بهدم المنزل عند بنائه، إلا أنهم تمكنوا من تجميد القرار عام 2023، قبل أن يُجدد الأسبوع الماضي ويصدر قرار نهائي بالهدم.
حاول أبو حسن، عبر محامين، تمديد القرار وتأجيله لدواعٍ إنسانية، معتقداً أن الوضع الصحي الخاص لأبنائه سيمنحه بعض الوقت، إلا أن طلبه قوبل بالرفض. وأخبره المحامي أنه في حال دفع 10 آلاف دولار نقداً، قد يمنحونه مهلة لا تتجاوز أسابيع عدة، لكنه رفض هذه المساومة تماماً، لعدم امتلاكه المبلغ، ولأنه لا يزال يبحث عن بديل مناسب لأبنائه، ولأنه لن يسمح لهم بهدم حلمه. فقرر أن يهدم منزله بيديه، حتى لا يُغرَّم بآلاف الدولارات.
حي العين في بلدة سلوان. (النهار)
إنها حكاية وطن لا تنتهي قصصه المأسوية، فلكل حي خصوصيته وأهميته ضمن مخططات المستوطنين، وهو ما ينعكس مباشرة على معاناة سكانه اليومية. وفي سلوان، تتقاطع الحفريات، وأوامر الهدم، والغرامات الباهظة، وسياسات التضييق الممنهجة، لتشكّل أدوات متكاملة في مشروع يهدف إلى تفريغ المكان من أهله الأصليين. وبين الخوف الدائم من الانهيارات أو الهدم، والتهديد المستمر بفقدان المأوى، يتمسّك الأهالي بحقهم في البقاء، ويواصلون حياتهم في مواجهة واقع قاسٍ تفرضه السلطات الإسرائيلية، في معركة مفتوحة على الأرض والذاكرة والوجود.











0 تعليق