بين الحرب المؤجَّلة والتفاوض القسري كيف تُدار المواجهة الأميركية –الإيرانية؟ - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين الحرب المؤجَّلة والتفاوض القسري كيف تُدار المواجهة الأميركية –الإيرانية؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 10 فبراير 2026 11:13 صباحاً

د. علي حمود 

 

 

 

منذ الضربة الأولى التي أعادت إشعال التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، عاد سؤال الحرب إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي. هل تتجه واشنطن نحو مواجهة عسكرية شاملة، أم أن ما يجري لا يتجاوز ضغطًا محسوبًا هدفه إعادة فتح باب التفاوض بشروط أكثر صرامة؟ المعطيات المتراكمة تشير إلى أن الخيار الثاني لا يزال هو الأرجح، على الأقل في المرحلة الراهنة.
في النظام السياسي الأميركي، لا يُتخذ قرار الحرب الكبرى بدافع الاندفاع أو كردّ فعل آني، حتى في ظل رئيس مثير للجدل مثل دونالد ترامب.  فقرار بهذا الحجم هو نتاج توازن دقيق بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات، إضافة إلى حسابات اقتصادية وانتخابية لا يمكن تجاهلها.  وتُظهر التجربة التاريخية الأميركية أن الحروب الواسعة نادرًا ما تُستخدم وسيلةً للهروب من أزمات داخلية، ولا سيما عندما تكون كلفتها الاستراتيجية مفتوحة على المجهول.

images_110345.jpg

وعلى عكس الصورة الشائعة عنه، لا يُعدّ ترامب رجل حروب طويلة.  فقد اتسمت ولايته الأولى بتفضيل الضربات المحدودة والضغط الاقتصادي على الانخراط العسكري المباشر.  فحرب شاملة مع إيران ستعني ارتفاعًا حادًا في أسعار الطاقة، واضطرابًا واسعًا في الأسواق العالمية، واحتمال انزلاق الشرق الأوسط إلى صراع إقليمي طويل الأمد.  وهي نتائج تتناقض بوضوح مع خطابه القائم على "الصفقات" وتقليص الأكلاف، لا الغرق في مستنقعات عسكرية جديدة.
من زاوية المؤسسة العسكرية الأميركية، تمثل إيران خصمًا معقّدًا لا هدفًا سهلًا.  فطهران تمتلك شبكة نفوذ إقليمي، وقدرات ردع غير مباشرة، وأوراق ضغط تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.  وأي مواجهة مباشرة قد تبدأ بضربة محسوبة، لكنها مرشحة للتطور سريعًا إلى صراع أطول، يشمل مضائق النفط والممرات البحرية الاستراتيجية والبنى التحتية للطاقة وخطوط النقل الحيوية. وهذا سيناريو لا يثير قلق صناع القرار في واشنطن فحسب، بل يربك الأسواق العالمية أيضًا.
تلعب أسواق الطاقة دورًا مركزيًا في هذه الحسابات. فأي تعطيل، ولو محدودًا، في صادرات النفط أو الغاز ينعكس فورًا ارتفاعًا في الأسعار، ما يضيف ضغوطًا تضخمية على الاقتصادات الصناعية.  وكل شحنة نفط أو غاز تتأخر بسبب التوتر السياسي تتحول إلى عامل ضغط إضافي على صناع القرار الأميركيين، خصوصًا في ظل حساسية الأسواق لأي إشارة عدم استقرار في الشرق الأوسط.
ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة وحده، إذ إن التصعيد العسكري يهدد استقرار التجارة العالمية ويزيد من تقلبات الأسواق المالية. فالأسهم والعملات والسلع الأساسية تتفاعل بسرعة مع أي تهديد لإمدادات الطاقة، فيما يراقب المستثمرون والمؤسسات المالية الكبرى المشهد بحذر، مدركين أن أي خطأ في الحسابات قد يُحدث صدمة مالية تتجاوز حدود المنطقة.
في هذا السياق، يكثر الحديث عن دور الاستخبارات الإسرائيلية أو ما يُسمّى"ملفات الضغط". غير أن الواقع يشير إلى أن إسرائيل، رغم نفوذها السياسي والاستخباراتي، ليست صانعة القرار في واشنطن.. فالولايات المتحدة تُصغي إلى حلفائها، لكنها لا تخوض حربًا كبرى إلا إذا رأت فيها مصلحة أميركية مباشرة.  ومنطق مؤسسات الدولة الأميركية يقوم على الحسابات الاستراتيجية، لا على الابتزاز أو الانفعال.
أما على صعيد الدبلوماسية، فإن انعقاد الاجتماع الأول بين وزير الخارجية الإيراني ووفد أميركي، رغم محدوديته، يؤكد أن التفاوض لم يسقط من الحسابات.  ففي العلاقات الدولية، لا يقوم التفاوض على الثقة، بل على إدارة المخاطر.  وغالبًا ما تُستخدم الضربات المحدودة لتحسين شروط التفاوض، لا لإلغائه.  وحتى الآن، لا توجد مؤشرات جدية على اتخاذ قرار بحرب شاملة، بل ما نشهده هو إدارة مواجهة عند حافة الهاوية، حيث يفضّل جميع الأطراف البقاء على الحد الفاصل بدل السقوط في المجهول.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق