نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"رحلة سمعان الخليوى".. ما بين الفقد والاغتراب - جريدة هرم مصر, اليوم الاثنين 9 فبراير 2026 02:43 صباحاً
تأتي رواية «رحلة سمعان الخليوي» للأديب والمفكر الكبير الدكتور أحمد جمال الدين موسى الصادرة عن دار الشروق بوصفها نصا سرديا يشتبك بوعي واضح مع سؤال الصعود الاجتماعي في مصر الحديثة، ليس باعتباره قصة نجاح فردية فقط، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية مركّبة تتقاطع فيها الطموحات الشخصية مع التحولات الاقتصادية، وتتصادم فيها الأحلام مع القيم، وتُختبر فيها حدود الإنسان أمام غواية السلطة والمال والنفوذ.
سمعان الخليوي ليس بطلًا تقليديًا يُقدَّم في صورة مثالية، ولا هو شخصية شريرة مكتملة الملامح، بل هو نموذج إنساني يتشكّل تدريجيًا عبر مسار طويل من الرغبة والرفض والانفصال عن الجذور.
منذ طفولته في قرية تابعة لمركز فاقوس بمحافظة الشرقية، نلمس هذا الرفض المبكر لمسار العائلة الزراعي، وكأن الأرض، بما تحمله من معنى الاستقرار والانتماء، لم تكن كافية لاحتواء طموحه الجامح. هنا تطرح الرواية سؤالًا ضمنيًا شديد الأهمية: هل كان سمعان يهرب من الفقر، أم من قدر اجتماعي كان يشعر بأنه لا يشبهه؟
اللافت في السرد أن حلم سمعان اقتحام مجال العقارات البيوت وتشييد المدن لا يُقدَّم كطموح مهني فحسب، بل كحلم بالسيطرة وإعادة تشكيل العالم وفق رؤيته الخاصة.
العمارة في الرواية ليست مجرد مهنة، بل لغة سلطة، وأداة حضور، ووسيلة لترك أثر مادي دائم في مواجهة هشاشة البدايات. ومن هنا، يصبح انتقاله من حارس بسيط إلى رجل أعمال نافذ رحلة شاقة، مليئة بالصراعات الداخلية والتنازلات الضمنية، أكثر منها قفزة مفاجئة أو معجزة اجتماعية.
تنجح الرواية في تفكيك فكرة “الحلم المصري” بصيغته المعاصرة، حيث لا يتحقق الصعود دون أثمان، ولا تُبنى الإمبراطوريات دون تصدعات إنسانية. فكل درجة يعلوها سمعان في سلم الثروة والنفوذ تقابَل بدرجة من الاغتراب: اغتراب عن العائلة، عن القرية، عن البساطة الأولى، وربما عن ذاته القديمة. وهنا تكمن قوة الرواية؛ إذ لا تُصدر أحكامًا أخلاقية مباشرة، لكنها تترك القارئ أمام شخصية تتغير ببطء، وتفرض عليه السؤال: متى يتحول الطموح إلى جشع؟ ومتى يصبح الحلم مشروعًا للهيمنة؟
كما يمكن قراءة الرواية بوصفها شهادة سردية على تحولات المجتمع المصري من الريف إلى المدينة، ومن الاقتصاد الزراعي إلى اقتصاد العقار ورأس المال، حيث تتحول الأرض من مصدر عيش إلى سلعة، ومن فضاء للانتماء إلى مساحة للاستثمار.
وفي هذا السياق، يصبح سمعان الخليوي تجسيدًا لجيل كامل آمن بأن البناء المادي هو الطريق الأقصر للخلود والاعتراف الاجتماعي.
وفي النهاية، لا تقدم «رحلة سمعان الخليوي» إجابات نهائية بقدر ما تفتح أبوابًا للتأمل. إنها رواية عن الصعود، نعم، لكنها أيضًا رواية عن الفقد؛ عن ذلك الشيء غير المرئي الذي يتساقط من الإنسان وهو يصعد دون أن ينتبه.

















0 تعليق