كتبت بديعة زيدان:
"خريف آخر"، هو العنوان الذي اختاره الروائي الفلسطيني محمود شقير، لسرديته الأحدث الصادرة عن مكتبة "كل شيء" في حيفا، مهدياً إياها إلى" القدس في زمن الصعود وفي أزمنة الهبوط"، ويحكي فيها القدس بين النكبة والنكسة، وحال أهلها والقرى المحيطة بها في تلك الفترة، من خلال رصده حيوات عائلة ريفيّة ممتدة، من الجد إلى الحفيد، مروراً بحكايات الأب والأم والأخوة، وما واجهوه من تنكيل واعتقالات متكررة ومصادرة للأرض على مدار سنوات من النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي.
وقدّم شقير تلك الحكايات المتفرقة والمتشابكة في آن، بلغة سلسة تخلو من أي فذلكة أو استعراض، دون أن يغفل قصص شخوص تحيط بتلك العائلة، قد لا تبدو ظاهرياً محورية، لكن حضورها كان أساسيّاً لجهة استكمال الصورة.
وتبدو الرواية، كأنها مزيجٌ من السرد والسيرة، فالحديث بضمير "الأنا"، قد يشي بذلك، كما هو حال الأحداث نفسها، أو بضعها.
ويتوسع شقير على لسان الراوي في قصّ العديد من حكايات الأسر، منها ما جاء حول ارتباط "فلسطينيي 48" بأرضهم، باستثناءات قليلة كما هو حال "عطا الهباري"، فقد "كان الهبّاري معضلة فكَّرنا في أمرها كثيراً، وكنّا جميعاً، فلسطينيّو 48 وفلسطينيّو 67 نتحاشاه، وبعضنا كان يخطّط لخنقه تحت ستار الليل، فقد عمل جندياً في حرس الحدود الإسرائيلي. حدّثونا أنّه كان يلقي القبض على المواطنين العائدين إلى قراهم ومدنهم بعد حرب 1948 فيربطهم إلى جذوع الأشجار ويطلق النار على جباههم، ثم يُعلّقهم ويدق المسامير في آذانهم ليكونوا عبرة للآخرين القابعين وراء الحدود، فيما إذا فكرّوا بالعودة إلى بيوتهم".. وبقي هذا الهواري مخلصاً للاحتلال إلى أن قررت السلطات الإسرائيلية مصادرة أرضه وأرض عشيرته، وسيق به إلى السجن حين "تمادى" في رفض قرار المصادرة.
كما حدّثنا الراوي عن حكاية زوج خالته "حليم"، الذي تمكن من الهروب من سجن "نور شمس"، وكانت سلطات الانتداب البريطاني حكمته بالسجن المؤبد، لمشاركته في ثورة العام 1936، ومشاركته في اغتيال عدد من الجواسيس، حيث غافل ذات ليلة الحرّاس، وهرب عائداً إلى أحضان الثوّار، وعاود قتل الجواسيس مُجدّداً، كما حدثنا عن خاله الذي تركه والده المسن والتحق بالفدائيين على الجانب الآخر من نهر الأردن.
ونقلنا الراوي في "خريف آخر" إلى التظاهرات في طفولته، حين كان طالب مدرسة، ضارباً بعرض الحائط وصايا والده بعدم المشاركة في المسيرات والاعتصامات السياسية، أواسط خمسينيات القرن الماضي، وهو ما يؤكد فكرة اتكاء شقير على أحداث من سيرته في هذه الرواية.
وبعدها تأتي يوميّات حرب العام 1967، واحتلال القدس الشرقية، مستذكراً بطريقته السردية الجاذبة: "في طفولتي، وكنت أنهض من نومي في أغلب الليالي على أصوات انفجارات، فأشعر بالخوف وتقول أمّي: إنّها الحرب، وحين أسألها عن أبي تقول إنّه ذهب وسيعود، فأركض إلى غرفة جدّي الملاصقة لبيتنا، جدّي معروف عنه أنّه جافّ الطباع حازم لا يبتسم ولا يضحك، وقد عرفت فيما بعد أنّ استيلاء المستوطنين اليهود على مساحات من أرضه أورثه قسوة دائمة"، متطرقاً أيضاً إلى جدّه الأكبر ومحاربته للأتراك، بعد أن أعدم السلطان التركي عدداً من شبان العائلة ممّن ثاروا عليه أو حاولوا، وبقي على نضالاته ضد العثمانيين إلا أن تم استبدالهم بالإنكليز، وسرعان ما انضم إلى الفدائيين لمحاربتهم، قبل أن يؤكد: "ثمّ عرفت أنّ أبي يحارب دفاعًا عن القدس مع غيره من الرجال. سمعت أمّي تبوح بذلك لبعض الجارات أثناء حديث هامس بينهن. وبالفعل، عاد أبي ذات يوم ورأيته يطوّح بندقيّته كما لو أنّها قطعة خشب يابسة، وراح يتحدّث في انفعال عن خيانات أكيدة ومن حوله رجال يصغون في صمت. كانت الحرب قد انتهت والهزيمة وقعت، فانصرف أبي".
وعن حال المدينة بعد الاحتلال يذكر أن الإسرائيليين كانوا يسيرون في عرض الشوارع، وهم يصخبون، وكأن المدينة أصبحت لهم وحدهم، ولا ينازعهم فيها أحد.. "ويظلّ الأمر كذلك إلى ما بعد ساعات الليل الأولى، حيث يؤوب المواطنون المقدسيّون إلى بيوتهم، وقد كبرت في صدورهم الأحزان، أما شوارع المدينة وأزقّتها فيتسرّب إليها عدد وافر من المومسات والمنحرفين ومتعاطي المخدّرات ورجال المخابرات، وتجثم مصفّحات الجيش في الساحات، وتقفل المحالّ التجاريّة أبوابها، ولا يبقى في الليل سوى المطاعم والبارات والمقاهي والفنادق".
ويواصل الراوي أو شقير، السرد بتفاصيل مثيرة تؤرخ إبداعيّاً لتلك الحقبة المهمة من تاريخ فلسطين.. "حين وقعت الحرب، أصغى الناس إلى الإذاعات غير مصدّقين.. صعد بعضهم إلى سطوح المنازل والدموع تطفر من عيونهم وصاحوا: الله أكبر الله اكبر.. انقضت أيّام معدودات وانهزمت جيوش العرب، ودخل الجيش الإسرائيلي البلاد، وأصدر أوامره إلى الناس أن ارفعوا الرايات البيضاء، فرفعوها. وسارت الدوريّات المسلّحة في الشوارع وألصقت على الأسوار وجدران البيوت إعلانات مكتوبة بلغة عربيّة ركيكة تقول: إنّ جيش الدفاع الإسرائيلي على استعداد لبذل كلّ التسهيلات لمن يرغب في مغادرة البلاد شرقًا. كان آلاف الناس قد غادروا البلاد هربًا من قصف الدبّابات والطائرات، وحينما لم تفلح الإعلانات في تهجير المزيد من الناس، بادر جيش الاحتلال إلى تطويق القرى ونسفها وتسوية آثارها البارزة بالجرّافات، فاضطرّ الناس إلى مغادرة قراهم حينما لم يجدوا بيوتًا يأوون إليها".
الرواية تختتم بمآلات العائلة، أو بعض أفرادها، جراء الاحتلال وانعكاساته المباشرة عليهم، وعلى أملاكهم، وعلى الواقع الجديد، الذي لم يتقبله الكثير منهم، في رواية أقل ما يمكن وصفها به أنها تقدم شهادة سردية مهمة حول القدس، لسارد المدينة الأبرز محمود شقير، في حقبة زمنية كانت محورية بل الأكثر محورية لجهة التحوّلات المتواصلة فيما يتعلق بتهويد المدينة المقدسة، أي ما بين النكبة والنكسة.
وللرواية حكاية مثيرة يرويها شقير بين دفتيها، وقبل الغوص في أتون أحداثها المغناطيسية، قائلاً: هذه الرواية الأولى التي كتبتها قبل 47 عامًا قبيل إبعادي بثلاثة أشهر من سجن "بيت ليد" الإسرائيلي إلى لبنان، راحت تلحّ عليّ فكرة العودة إلى الكتابة الإبداعية التي انقطعت عنها من العام 1969 إلى العام 1975، واكتفيت بكتابة المقالات السياسية ونشرها في الصحافة المحلية في القدس بأسماء مستعارة، وفي صحافة الحزب السرية من دون اسم.. في تلك الأشهر الثلاثة التي سبقت الإبعاد كنت أفكّر بكتابة رواية، وقد تراكمت في ذهني بعض مشاهد من هذه الرواية، ولم أقم بتدوينها على الورق.. لم تكن ظروف السجن تشجّعني على الكتابة.. وحين وجدتني في بيروت مبعداً من السجن الإسرائيلي العام 1975 انصرفت عن كتابة الرواية إلى القصة القصيرة التي كانت وما زالت ميداني الرئيس في الكتابة الإبداعية، وكانت من جرّاء ذلك مجموعتي القصصية الثانية "الولد الفلسطيني"، وعدد من قصص الأطفال التي نشرت في مجلة «أسامة» السورية. في عام 1977، وبعد عام من إقامتي في عمّان شرعت في كتابة الرواية التي اخترت لها عنواناً مباشراً هو "القمع"، وخلال عام واحد أنهيت كتابة الرواية وعرضتها على عدد من الأصدقاء الذين أجمعوا على أنّ فيها مباشرة صارخة، وطغياناً للمقولات السياسية على متنها.. ولذلك، وانطلاقاً من ملاحظات الأصدقاء عدت من جديد إلى الرواية وحاولت التخفيف من حدّة المباشرة فيها، وأوّل إجراء اتخذته أنني حذفت عنوانها الأوّل، واخترت العنوان: "قلنا ذلك لكلّ الطارئين"، ثم أرسلتها بالبريد المسجل إلى محمود درويش في بيروت، وكان آنذاك رئيس تحرير مجلّة "شؤون فلسطينية" لكي ينشرها في المجلّة.. بعد أسبوعين من إرسالها إلى محمود كتبت له رسالة وطلبت منه ألا ينشرها لأنني ما زلت أشعر أنها لم تتخلّص من المباشرة ومن مقولات السياسة، وقد التزم محمود بما طلبته منه ولم ينشر الرواية. ولم أفرّط فيها، احتفظت بها في ملف، وحين عدت من المنفى إلى القدس العام 1993 اصطحبتها معي ضمن مجموعة مقالات ومقابلات وموادّ أدبيّة، وظلّت محفوظة في مكان ما في البيت، ومع الزمن، وأمام ازدحام البيت بالكتب، لم أعد أعرف أين خبّأت الرواية.
0 تعليق