غزة - وفا: امتزجت رائحة الطحين والدم والغبار على ملابس وأجساد المواطنين الذين ينتظرون دخول المساعدات إلى قطاع غزة، بعد أن فرّقتهم آلة الحرب ورصاص وقذائف الاحتلال بين شهيد وجريح ومفقود.
قرب مراكز توزيع المساعدات "مصائد الموت"، تجمّع مئات المواطنين رغم المخاطر العالية، إذ يكاد الرصاص لا يهدأ، ورغم ذلك تواصل الحشود التقدم من أجل الحصول على كيس طحين أو أقل من ذلك بكثير، فالبعض منهم عندما يفقد الأمل يجمع الطحين المخلوط بالرمل من الأكياس التي تمزقت بفعل التدافع من أجل الحصول على طحين.
وقال المواطن يوسف زعرب: أجبرتني حالة العوز والمجاعة التي تعيشها عائلتي، المكونة من تسعة أفراد، على المجازفة مرات كثيرة للذهاب إلى مراكز المساعدات على أمل الحصول على بعض المساعدات، سواء الموجودة في منطقة شارع الطينة أو الشاكوش والعلم، ولكن من هول ما رأيت اليوم من دماء وشهداء وأشلاء أقسمت ألا أعود إلى هناك حفاظاً على نفسي، ومراعاة لظروف عائلتي المجوّعة أن تفقدني.
وأضاف: هناك القوي وصاحب البنية الجسدية السليمة هو من يتمكن من الحصول على المساعدات، وهم قلة في ظل المجاعة وازدياد حالة الهزال لدى المواطنين، أما باقي المواطنين فلا يستطيعون الحصول على أي شيء من شدة الازدحام وقلة المواد الغذائية المتوفرة في تلك المراكز، ولخطورة الأوضاع والموت الذي يحيط بالمواطنين هناك من كل جانب.
من جهته، قال المواطن تيسير راضي: أصبحت لقمة العيش صعبة المنال في ظل حالة المجاعة والنزوح والتشرد التي يعيشها شعبنا، والذي يجبرنا على الذهاب إلى هذه المناطق والمراكز حاجتنا الملحة لرغيف الخبز الذي نفتقده بشدة في هذه الظروف.
وأشار راضي إلى أنه يأتي إلى مناطق المساعدات ليحصل على بعض الطحين والمواد الغذائية الأخرى، وفي حال عدم حصوله عليها بالمجان يقوم بشرائها من تلك المناطق لأن سعرها أرخص من السوق لعدم وجود تكلفة نقل ومواصلات مضافة إلى تلك السلع، آملاً أن تنتهي هذه الطريقة في توزيع المساعدات، التي وصفها بالمذلة للمواطنين المجوّعين، الذين يريدون سد جوعهم وجوع أطفالهم بأي ثمن.
أما المواطنة خديجة يونس فقالت: بعد أن سمحت قوات الاحتلال للنساء بالذهاب إلى مراكز التوزيع أصبحت أذهب إلى هناك لعلّي أتمكن من الحصول على الطعام، رغم معرفتي ويقيني المسبق بأن الذهاب إلى هناك يعني الذهاب للموت، غير أن الحاجة والعوز يجبران المواطنين على الذهاب للحصول على الطعام من بين فكي الموت، وتحت القصف والرصاص.
بدوره، قال المواطن محمود قديح: إن قوات الاحتلال في مراكز الموت تتعمد إحداث فوضى وقتل وإصابات مباشرة في صفوف المواطنين، خاصة خلال تجمهر المواطنين في ساحات الانتظار الخارجية لتلك المراكز، حيث يطلق الجنود النار بكثافة، ما يؤدي إلى استشهاد وإصابة أعداد كبيرة من المواطنين.
ولفت إلى أن إطلاق النار من الممكن أن يتواصل لساعات طويلة دون أي أسباب تذكر، سوى قتل المواطنين وإيقاع أكبر عدد منهم بين شهيد وجريح.
وأضاف: حاولت عدة مرات الحصول على المساعدات بشكل مجاني، لكنني لم أتمكن من الحصول على أي لقمة، واجتهد بشراء بعض المواد الغذائية والطحين من هناك، ولكن في غالب الأحيان لا أستطيع لقلة العرض وزيادة الطلب في المكان، خاصة أن غالبية المواطنين لا يستطيعون الحصول على المساعدات بشكل مجاني فيتوجهون لشرائها ممن استطاع الحصول عليها وبأسعار مرتفعة جداً، لا يقوى عليها المواطنون المحاصرون والمجوّعون والمنهكون من ويلات الحرب.
ووفق برنامج الأغذية العالمي، فإن الأرقام تؤكد أن غزة تواجه خطراً بسبب المجاعة، وأن الوقت ينفد لإطلاق استجابة إنسانية شاملة، وأن واحداً من كل ثلاثة أشخاص في قطاع غزة يقضي أياماً دون طعام، و75% يواجهون مستويات طارئة من الجوع، وحوالى 25% يعانون ظروفاً شبيهة بالمجاعة.
بينما قال مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم": إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة، محذرةً من أن الإبادة الجماعية ستمتد ولن تقتصر على القطاع.
أما منظمة العفو الدولية، فأشارت إلى أن الهدنة التي أعلنتها إسرائيل خلال ساعات النهار في غزة غير كافية في ظل ارتكابها إبادة جماعية بحق الفلسطينيين الذين يواجهون ظروفاً كارثية، وأنه يجب إعادة نظام المساعدات الإنسانية بقيادة الأمم المتحدة، وتفكيك النموذج الكارثي والقاسي للمساعدات المسلحة التي تفرضها إسرائيل.
وشددت على أنه يجب وقف إطلاق نار فوري ومستدام وإنهاء الإبادة الجماعية في غزة، وأنه يقع على عاتق المجتمع الدولي التزام أخلاقي وقانوني بالتحرك بحزم ضد قتل وتجويع الفلسطينيين في غزة.
بينما قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش": إن "قتل إسرائيل للفلسطينيين الباحثين عن الطعام جريمة حرب، وإن الجيش الإسرائيلي المدعوم من أميركيا والمقاولين وضعوا نظاماً عسكرياً معيباً لتوزيع المساعدات في غزة".
وبينت أن نظام توزيع المساعدات في غزة تحول إلى حمّامات دم منتظمة، وأن الوضع الإنساني المزري نتيجة مباشرة لاستخدام إسرائيل تجويع المدنيين سلاح حرب، مشددة على أن استمرار إسرائيل في حرمان الفلسطينيين بغزة من المساعدات جريمة ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
0 تعليق