42 مليون صانع محتوى بين «الوهم الذهبي».. وسجن طرة - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
42 مليون صانع محتوى بين «الوهم الذهبي».. وسجن طرة - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 12:46 مساءً

في زمن تتسابق فيه الأمم لامتلاك المعرفة، وتتنافس الحكومات لدعم جامعاتها للتباهي بإنتاج العلماء، وتقاس قوة الدول بمقومات الصناعة والتكنولوجيا والاختراعات المتطورة، نجد على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، أرقامًا «غير حيادية»، تكشف أزمات أعمق من مجرد «إحصاءات عابرة»، لا نبالغ إن وصفناها بـ صفارة إنذار مدوية، تفضح تحولاً ثقافيًّا يفوق القدرة على الفهم، ففي بلادنا، حيث تخوض الدولة معارك تنموية مضنية في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة وسوق العمل، يشير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إلى وجود «42.6» مليون «صانع محتوى» على السوشيال ميديا.

يشير الجهاز إلى أن هذا الرقم عبارة عن قائمين بتحميل مقاطع فيديو ترفيهية قصيرة، ومشاركتها عبر مختلف التطبيقات، بإجمالي عدد ساعات «14.6» مليون ساعة يوميًا، بنسبة زيادة تقدر بـ 60% عن العام الماضي، فيما بلغ عدد مشاهدي المحتويات الترفيهية 52.4 مليون مشاهد يوميًا، بإجمالي عدد ساعات «43.7» مليون ساعة مشاهدة يوميًا، بزيادة تقدر بـ 67% عن العام الماضي.

أما الألعاب الإلكترونية، حدث ولا حرج، بحسب الجهاز، وصل عدد اللاعبين إلى «31» مليون لاعب يوميًا، يقضون «1.8» مليون ساعة يوميًا، بزيادة تقدر بـ 21%" عن العام الماضي، وربما يعتبر رقم «صناع المحتوى»، هو الأهم، مبدئيًا، فباستثناء فئة هادفة قليلة ضمن هذا الرقم الذي يمثل قرابة «نصف المصريين»، قرر الأغلبية استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فلم يعد أحدهم يقول إنه «عايز يطلع دكتور واللا مهندس»، ولكنه عايز يطلع ترين، في وهم المكسب السريع، حين ينهزم المنطق الاقتصادي على مذبح منصات التواصل، فهذه المنصات قدمت نماذج مغرية: شخص يصور بهاتفه وهو يرقص أو يصرخ أو حتى يشتم، فيثير الجدل، ثم يربح الشهرة والمال، دون حاجة إلى «ثلاثية قديمة» هي التعليم، الكفاح، الخبرة، فكيف يمكن للكتاب أن ينافس فيديو مدته "20" ثانية مصمم بـ"خوارزميات الإدمان" في موجة المكافآت اللحظية، مع إغفال حقيقة اقتصادية مهمة، وهي عدم استقرار الدخل، مما يستهلك الوقت والطاقة النفسية في حلبة صراع افتراضية أشبه بمطاردة السراب، دون استناد إلى أي منطق، وغالبًا ما ينتهي «اقتصاد الحلم السريع» إلى اقتصاد إحباط أسرع.

«صناعة المحتوى»، مصطلح تعرفه موسوعة «ويكيبيديا» بأنه عملية إنتاج ومشاركة أشكال متنوعة من النصوص والصور والمقاطع الصوتية والمرئية، لجذب جمهور معين، لتحقيق أغراض متنوعة بين التعبير عن الذات، أو التسويق، أو التوزيع، أو النشر، وغيرها.

وكانت شركات السوشيال ميديا أول من استخدم المصطلح، نهايات العقد الأول من الألفية، للتفرقة بين «المستخدم العادي»، و«المبدع» الذي ينتج، ولعبت ثورة يناير، دورًا في صناعة أسماء أطلقت على نفسها «نشطاء سوشيال ميديا»، أو «مدونين»، وجاءت جائحة كورونا مع متلازمة "تيك توك"، ليصبح كل من يمسك بيديه "«هاتفًا ذكيًّا» يطلق عليه «صانع محتوى»، حتى تم تقنين «ضرائب» على صناع المحتوى في 2021، وفي نفس العام كانت أول موجة قبض على «فتيات التيك توك»، ليتوالى القبض على عشرات (أو مئات) "البلوجرز" بدعاوى نشر الفجور، وترويج أفكار مضللة، وإهانة الأديان، آخرهم منذ أيام بالإسكندرية.

الأزمة ليست في صناعة المحتوى، بل في غياب المعايير، فأصبح لأي شخص منصة إعلامية بلا تدريب، أو مسؤولية، وفي الماضي، كان الجهل محدود الانتشار، أما اليوم، فهو كالماء والهواء، يقدم بتقنيات عالية الجودة، زادت من تأثيراتها، وبنظرة سريعة لمنصات التواصل الاجتماعي، وتصفح حسابات صناع المحتوى، سنجد أشكالاً مختلفة لـ المحتوى: بداية من الكوميديا "السوداء" الأكثر انتشارًا، من مواقف أسرية، وعاطفية في البيوت ووسائل المواصلات، وبين الموظفين، ثم «اللايف ستايل» في حالة «تمثيل السعادة الدائمة» بين الكافيهات، والمطاعم، والبراندات.

وهناك محتوى بيع الأمل بنصائح التنمية البشرية، وكيف تصبح أفضل نسخة من نفسك في 48 ساعة، وأيقظ المارد بداخلك، وتسويق حلم الثراء السريع بمجرد الإيمان بالهدف، وهناك محتوى العلاقات العاطفية، واختبارات المشاعر التي يقدمها «خبراء الحب»، من نصائح رجالي وحريمي، ومحتوى الطبخ الشعبي وتحديات الاستعراض الغذائي، ومحتوى الفتاوى السريعة و الدين المختصر الذي يجتزئ مسائل فقهية معقدة في 20 ثانية، وجمهورهم المستهدف هم الباحثون عن اليقين.

ويوجد أيضًا محتوى التريند بأي ثمن: سواء بالرقص أو المقالب الجارحة، وافتعال مواقف تافهة ساذجة بلا معنى، ومحتوى الواقعية العفوية التي تدور في الشارع ووسائل المواصلات والأسواق، والتي تحول المعاناة اليومية إلى مادة ترفيهية، تنتهك خصوصية الناس، في كثير من الأحيان، وهناك بديل جديد للإعلانات، وهو الريفيوهات، أو "المراجعات" والتقييمات، وهو باب رزق اقتحمه كل من هب ودب، لبث الثقة في عروض المطاعم والأجهزة والعطارة والتجميل، وكل شيء تقريبًا، وهناك محتوى المؤامرة، والخرافة عمن يزعمون امتلاك أسرار الطاقة، وعلامات نهاية العالم، وعلاج كل الأمراض بمكوّن واحد!!

تتعدد قوالب المحتوى بين: مرئي «فيديوهات يوتيوب، تيك توك، ريلز، تويتات»، ومسموع «بودكاست، تعليق صوتي»، ومكتوب «بوستات، مقالات، تويتات، ثريدز»، تفاعلي «بث مباشر، ستوريز، مسابقات، كومنتات»، وليس شرطًا أن يكون صانع المحتوى مشهورًا، يكفيه 100 متابع مادام ينشر بانتظام، وحين يتحول إلى مصدر دخل ثابت، يتحول إلى محترف، أو إنفلونسر، ويقوم عدد ممن يصنفون أنفسهم كـ صناع محتوى، بشراء المتابعين، وهناك تسعيرة في السوق السوداء تتراوح بين 50-200 جنيه لشراء 1000 متابع وهمي «Fake»، ومبلغ 400-1500 جنيه، لشراء 10 آلاف متابع وهمي، ومن يريد شراء 100 ألف متابع مزيف، يدفع مبالغ تتراوح بين 3000-10000 جنيه.

وبرغم عدم وجود إحصائية موثقة «حتى الآن»، تربط كارثة التسرب من التعليم، بـ السوشيال ميديا، إلا أنه بعد فقدان المدرس هيبته، وانحدار النظرة للطبيب والمهندس بسبب تدني مرتباتهم بالمقارنة بـ صناع المحتوى، ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد الأطفال في مصر قرابة« 39.5» مليون طفل، في حين أكد المركز القومي للبحوث الاجتماعية، أن 90%" من الفئة العمرية «بين 3 إلى 18 سنة»، يستخدمون السوشيال ميديا بحسابات مزيفة، أي أنه بحسبة بسيطة، سنكتشف أن أكثر من «35.5» مليون طفل يعيشون حياتهم على السوشيال ميديا بحسابات مزيفة، هم أنفسهم من يعلنونها صريحة: ما قيمة الشهادة؟ «عايزين نبقى بلوجرز»، وإذا كانت الدولة تؤكد «وفقًا لجهاز التعبئة والإحصاء في 2022»، أن نسبة التسرب من التعليم لا تتجاوز 7.3% فقط، لكن تلاميذ المدارس، بلا استثناء، حاليًا، يجلسون في فصولهم، وعقل كل طفل منهم في مقاطع الفيديو القصيرة، أي أنهم حاضرون جسديًّا، متسربون ذهنيًّا.

خبراء التربية والاقتصاد والسوشيال ميديا، يطالبون بالمزج الاحترافي بين التربية الإعلامية، والرقمية في المدارس، وخلق بيئة صحية تدعم المحتوى العلمي والثقافي الجاد، ووضع منظومة اقتصادية وضريبية عادلة لصناع المحتوى الرقمي، وتغليظ عقوبات الجرائم الإلكترونية، وتوعية الأسر بمخاطر الإدمان الرقمي، وبعد تحول المجتمع كله إلى كاميرا، ونسيان المصنع والمدرسة والمعامل، وهوس اللايكات، واستغلال الأطفال، وبث خطابات الكراهية والتنمر، وتغليظ العقوبات، وحمل نصف عدد المصريين لقب «صناع محتوى»، لن يفيد السؤال عن عددهم، ولكن الأهم ماذا يصنعون؟.

اقرأ أيضاً
بسبب «السوشيال ميديا».. قرار صارم من عبد ربه ضد ثنائي الإسماعيلي وإحالتهما للتحقيق

القبض على البلوجر « البيج ياسمين» بسبب محتوى مخالف لقيم المجتمع

موعد نظر استئناف البلوجر نيرمين طارق على حكم حبسها 6 أشهر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق