حين نضحك على الهزيمة.. كيف تعيد القوة الناعمة تشكيل يقيننا دون أن نشعر؟ - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين نضحك على الهزيمة.. كيف تعيد القوة الناعمة تشكيل يقيننا دون أن نشعر؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 10:06 صباحاً

نموذج (توم وجيري) وتأثيره في العقل الجمعي

في أحد أكثر المشاهد تكرارًا في الذاكرة الجمعية لأجيال كاملة، ينجح فأر صغير في خداع قط أكبر منه حجمًا، يوقعه في الفخ، ويخرج منتصرا وسط ضحكات المشاهدين. مشهد بسيط، يبدو بريئًا، لكنه يخفي وراءه آلية تأثير عميقة تتجاوز الترفيه إلى إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

ما يحدث في مثل هذا النموذج لا يمكن تفسيره فقط بوصفه تعاطفا مع الضعيف، رغم أن هذا التعاطف يمثل نقطة البداية. الإنسان بطبيعته يميل إلى نصرة من يبدو أقل حظا، وهو ميل إنساني نبيل. لكن المشكلة لا تكمن في هذا التعاطف، بل في ما يحدث بعده. فمع تكرار المشهد مئات المرات لا يظل التعاطف مجرد استجابة عاطفية، بل يتحول إلى معيار تقييم.

هنا تبدأ القوة الناعمة عملها الحقيقي.

فبدلاً من أن تقنع المتلقي بفكرة مباشرة، تقوم بإضعاف يقينه في معاييره السابقة، ثم تعيد بناء هذه المعايير بشكل غير ملحوظ.

القط، الذي يمثل في الواقع حيوانًا أليفا نظيفًا وقريبًا من الإنسان، يتحول في الوعي إلى رمز للعدوان والقسوة.

بينما يتحول الفأر المرتبط بيئيا بالقذارة والأمراض، يتحول إلى بطل محبوب يستحق الدعم والانتصار.

هذا التحول لا يحدث عبر خطاب مباشر بل عبر تكرار سردي بسيط يجعل المتلقي يعيد ترتيب أولوياته دون أن يشعر. ومع الوقت، لا يعود الحكم على الأشياء مبنيًا على طبيعتها، بل على موقعها داخل القصة: من هو الضحية؟ ومن هو الخصم؟

هذه العملية يمكن تسميتها بـ "زعزعة اليقين". وهي من أخطر أدوات القوة الناعمة، لأنها لا تفرض قناعات جديدة، بل تعيد تشكيل الطريقة التي تُبنى بها القناعات من الأصل.

في عالم الإعلام والترفيه، لا يقتصر التأثير على ما يُعرض، بل يمتد إلى كيفية عرضه. فالتكرار المستمر لنمط واحد ( الضعيف الذكي ينتصر على القوي الغبي ( يُنتج ما يشبه " نموذجا ذهنيًا " جاهزا، يستخدمه المتلقي لاحقا في تفسير مواقف الحياة. وهنا ينتقل التأثير من الشاشة إلى الواقع.

الأخطر من ذلك أن هذه الآلية لا تكتفي بإعادة تعريف الأدوار، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الحكم الأخلاقي نفسه. فالأفعال لم تعد تقيم بمعاييرها الموضوعية، بل بحسب من يقوم بها. ما يفعله الطرف " الضعيف " يصبحمبررًا، حتى لو كان تخريبًا أو إيذاءً، بينما يُدان الطرف "القوي " حتى في مواقف محايدة. وهنا يتحول التقييم من أخلاقي إلى عاطفي، ومن موضوعي إلى سياقي.

في هذا السياق، يتضح الفارق بين نوعين من التأثير. هناك تأثير مباشر يسعى إلى جذب الانتباه وتحريك السلوك، وهو تأثير سريع لكنه محدود.وهناك تأثير أعمق يعمل على مستوى الإدراك، يعيد تشكيله ببطء، لكنه يترك أثرًا طويل الأمد.النوع الثاني هو ما تمثله القوة الناعمة في صورتها الأكثر فاعلية.

فالقوة الناعمة لا تعمل عبر الإقناع، بل عبر إعادة تعريف ما يبدو مقنعا من الأصل.

المشكلة ليست في نموذج بعينه، بل في غياب الوعي بهذه الآليات. فحين نستهلك محتوى ترفيهيا دون إدراك لطبيعته التأثيرية، نتصور أننا نشاهد فقط، بينما نحن في الواقع نعيد تشكيل إدراكنا تدريجيا.

السؤال الحقيقي ليس: ماذا نشاهد؟

بل ماذا أصبحنا نعتبره بديهيا بعد ما نشاهد؟

وفي هذا السؤال يكمن جوهر القوة الناعمة. فهي لا تسعى لأن تجعلك توافقها، بل لأن ترى العام من خلالها.. .دون أن تدري أنك فعلت.

وفي هذا السؤال يكمن جوهر القوة الناعمة. فهي لا تسعى لأن تجعلك توافقها، بل أن تجعلك ترى العالم من خلالها.. .دون أن تدرك أنك فعلت.

الدكتور عماد الساعي خلال حوار «التاء المربوطة»: مصر شهدت تحولا مهما في طبيعة دورها الاقتصادي

عماد الساعي: «الأزمة» تمر بمراحل شبيهة بحياة الإنسان.. وإدارتها تبدأ بتخيّل «السيناريو الأسوأ»

عماد الساعي: الإعلام يعيش في «جزر منعزلة».. ويجب أن يكون مرتبطا برؤية الدولة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق