نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أمل غريب تكتب: "الصين" كلمة السر فكيف تدير بكين توازنات الحرب في الخليج؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 3 مايو 2026 01:50 مساءً
بعيدا عن العناوين الصاخبة والتصريحات المتبادلة، تبدو المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل أقرب إلى صراع نفوذ ممتد، أكثر من كونها حربا تقليدية محدودة الأهداف، فالمشهد الإقليمي يكشف أن ما يجري في الخليج يتجاوز فكرة الردع أو التصعيد العسكري، ليصل إلى محاولة إعادة رسم خريطة السيطرة على واحد من أهم مراكز الطاقة في العالم، كما أن ما تشهده منطقة الخليج في الوقت الراهن، لا يمكن قراءته كحرب تقليدية بين أطراف محددة، بل هو صراع نفوذ معقد تجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة، فالولايات المتحدة وإيران وإسرائيل أطراف ظاهرة في المشهد، لكن خلف هذا التصعيد تقف حسابات أوسع تتعلق بالسيطرة على طرق الطاقة وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
فالولايات المتحدة الأمريكية، لم تنسحب من الخليج كما يروج البعض أو يحاول الترويج، لكنها تعيد تموضعها بشكل واضح، بهدف تقليل تكلفة التدخل المباشر مع الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي، حتى أن هذا التحول يعكس إدراكا أمريكيا بأن إدارة الصراعات لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على إدارة التحالفات وتوزيع الأدوار، كذلك تسعى الإدارة الأمريكية للحفاظ على هيمنتها التاريخية في المنطقة، وضمان تدفق النفط وحماية حلفائها.
بينما ترى إيران، في هذه اللحظة فرصة لفرض حضورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، خاصة أن طهران تمثل عنصرا معطلا لأي ترتيبات جديدة في المنطقة، نظرا لقدرتها على التأثير في الممرات الحيوية، وعلى رأسها بالطبع مضيق هرمز، وهو ما يمنحها ورقة ضغط مهمة في مواجهة أي تحالفات إقليمية أو دولية.
أما إسرائيل، فتتعامل مع عمليات التصعيد باعتبارها جزء من معادلة أمنها الاستراتيجي، ومحاولة لتقليص نفوذ طهران في محيطها، فتل أبيب ترى في هذا فرصة أخيرة، لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها، عبر تقليم أظافر النفوذ الإيراني، خاصة في ظل تنامي قدرات طهران العسكرية وتوسع حضورها الإقليمي.
لكن في وسط هذا المشهد المتشابك، يبرز الدور الصيني كعامل حاسم، وإن بدا في الظاهر بعيدا عن دائرة التصعيد العسكري، فالصين ليست طرفا مباشرا في الصراع، لكنها اللاعب الأكثر هدوء والطرف الأكبر تأثيرا في آن واحد، رغم غيابها عن المواجهة العسكرية، فهي الشريك التجاري الأكبر لمعظم دول المنطقة، والمستورد الأهم للنفط الخليجي، ما يجعل استقرار الإقليم مسألة حيوية لاقتصادها، خاصة أن بكين تعتمد على استراتيجية مختلفة تقوم على التوازن، فهي ترتبط بعلاقات اقتصادية قوية مع دول الخليج، وتحافظ في الوقت نفسه على شراكات مع إيران، إلى جانب قنوات تواصل مفتوحة مع الولايات المتحدة.
الأهم من ذلك هو أن بكين، تملك ما لا يملكه الآخرون، والتي لا تأتي من قوتها العسكرية في المنطقة، بل من اعتمادها الكبير على استقرار تدفقات الطاقة، أي أن اضطراب في الخليج ينعكس مباشرة على اقتصادها، فما يميز الصين أنها لديها القدرة على التحدث مع جميع الأطراف، وهي ميزة نادرة، إذ تستطيع التحرك كوسيط محتمل بين أطراف متصارعة لا تلتقي بسهولة، وهو ما يدفعها للعب دور غير مباشر، يهدف إلى احتواء التصعيد دون الانخراط فيه، فضلا عن علاقاتها الممتدة مع إيران، وشراكاتها الاقتصادية العميقة مع دول الخليج، وخطوط التواصل المفتوحة مع واشنطن، كل ذلك تمنحها موقعا فريدا، وهنا تتضح نقطة التحول بإمكانية وعدم استحالة إنهاء الصراع الذي لن يكون بالطبع عبر الحسم العسكري، بل من خلال تفاهمات كبرى بين القوى المؤثرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين.
هنا تظهر "كلمة السر" الحقيقية في كل المشهد الصاخب الذي نعيشه منذ 28 فبراير 2026، وهي "جلوس الصين والولايات المتحدة على طاولة مفاوضات واحدة"، فبدون هذا التفاهم، ستظل المنطقة رهينة لدوائر التصعيد المتكرر، أما إذا حدث هذا اللقاء، فسيكون بداية لتحول استراتيجي، ليس فقط في مسار الحرب، بل في شكل النظام الدولي نفسه، فبكين لا تسعى إلى مواجهة عسكرية، بل لتثبيت نفوذ اقتصادي طويل الأمد، كذلك الولايات المتحدة تدرك جيدا، أن أي تصعيد مفتوح قد يهدد مصالحها ويستنزف مواردها، فاستمرار المواجهة يعني مزيد من الضغط على الاقتصاد العالمي، وتهديد لاستقرار أسواق الطاقة، وهو ما لا يخدم أي من القوى الكبرى على المدى الطويل، ومن هنا يصبح التلاقي بين الطرفين ضرورة، لا خيار.
إن ما يحدث في الخليج ليس مجرد حرب عابرة، بل صراع على من يملك مفاتيح القدرة لإدارة المستقبل في منطقة تمثل شريان الطاقة العالمي، وليس فقط كسب معركة آنية، وبين التصعيد العسكري والحسابات السياسية، تبقى الدبلوماسية الهادئة هي المسار الأقرب لإنهاء هذا التوتر، إذا ما التقت الإرادات على طاولة واحدة، لتظل الصين اللاعب الهادئ الذي قد لا يطلق رصاصة، لكنه يمتلك مفاتيح النهاية عندما تفتح أبواب التفاوض.















0 تعليق