نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رؤية القاهرة تنتصر.. واشنطن تعتمد «الإخوان» أصلا للإرهاب - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 7 مايو 2026 11:29 مساءً
لم يكن التركيز المكثف على جماعة الإخوان المسلمين داخل استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب 2026 تفصيلًا عابرًا أو مجرد امتداد للخطاب التقليدي للإدارة الأمريكية، بل جاء كأحد أكثر التحولات دلالة في طريقة نظر واشنطن إلى ما يسمى بالإسلام السياسي، وإلى طبيعة التهديدات التي تواجه الدولة الغربية الحديثة.
فالوثيقة لا تتعامل مع الجماعة بوصفها تنظيمًا سياسيًا إسلاميًا يختلف حوله الفاعلون الدوليون، وإنما باعتبارها البنية التأسيسية التي انطلقت منها معظم التنظيمات الإرهابية الجهادية الحديثة، من القاعدة الى تنظيم الدولة الإسلامية مرورًا بغيرها من التنظيمات على مختلف تنويعاتها.
وهنا تكمن أهمية الوثيقة، فهي لا تكتفي بإعادة تعريف الإرهاب، بل تعيد تعريف العلاقة بين الدولة الوطنية والحركات العابرة للحدود، وبين الأمن القومي الغربي والإسلام السياسي نفسه.
نهاية الرهان الأمريكي القديم
على مدى عقود، ساد داخل دوائر غربية عديدة اعتقاد بأن دمج الحركات الإسلامية في العملية السياسية قد يمثل وسيلة لاحتواء التطرف، وتحويل الإسلام السياسي إلى فاعل مؤسسي يمكن استيعابه داخل الدولة الحديثة.
وتعزز هذا التصور عقب ما يسمى بالربيع العربي، حين تعاملت قوى غربية مع صعود الإسلاميين باعتباره جزءًا من التحول الديمقراطي في المنطقة. لكن التجربة الإقليمية اللاحقة من وجهة نظر التيار المحافظ الأمريكي قادت إلى استنتاج مختلف تمامًا.
فبدلًا من إنتاج الاستقرار، ارتبطت مرحلة ما بعد الربيع العربي في الخيال الأمني الغربي بانهيار دول، وصعود جماعات مسلحة، واتساع نفوذ التنظيمات الإرهابية، وتراجع قدرة الدولة الوطنية على احتكار السلطة والهوية.
ومن هنا يمكن فهم التحول الجذري الذي تعكسه الوثيقة الأمريكية الجديدة: الانتقال من محاولة احتواء ما يسمى بالإسلام السياسي إلى اعتبار بعض تياراته جزءًا من المشكلة البنيوية للأمن الدولي.
الإخوان كشبكة عابرة للدولة
الوثيقة لا تنظر إلى جماعة الإخوان المسلمين كحركة محلية مصرية أو حتى كتنظيم إقليمي، بل كشبكة فوق قومية تمتلك امتدادات مالية، وبنى تنظيمية، وأدوات تعبئة إعلامية، وخطابًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود.
وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأن التهديد وفق الرؤية الأمريكية الجديدة لا يكمن فقط في العنف المباشر، بل في قدرة أي حركة عابرة للدولة على منافسة الدولة الوطنية على الشرعية، وإنتاج ولاءات موازية، وبناء شبكات تأثير تتجاوز الحدود التقليدية.
لهذا تتعامل الوثيقة مع الإخوان ليس فقط كقضية أمنية، بل كجزء من أزمة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة الحديثة نفسها.
لماذا مصر في قلب هذا التحول؟
اللافت أن الوثيقة تشير بوضوح إلى تصنيف الفرع المصري للجماعة ضمن الكيانات المستهدفة بالإدراج الإرهابي، إلى جانب فروع أخرى في المنطقة. وهذا يحمل دلالات تتجاوز البعد القانوني أو الأمني المباشر.
فعلى مدار سنوات، كانت القاهرة تؤكد أن أزمة المنطقة لا ترتبط فقط بالتنظيمات المسلحة، بل أيضًا بالحركات الأيديولوجية العابرة للدولة التي تضع الولاء التنظيمي أو العقائدي فوق مفهوم الدولة الوطنية. وفي المقابل، ظل جزء معتبر من المؤسسات الغربية ينظر إلى هذه المقاربة بتحفظ، معتبرًا أن الخلط بين الإسلام السياسي والعمل المسلح قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب.
لكن الوثيقة الحالية تكشف أن واشنطن اقتربت بصورة غير مسبوقة من الرؤية المصرية. إذ لم تعد القضية في نظرها مرتبطة فقط بأعمال العنف، وإنما بالبنية الفكرية والتنظيمية التي يمكن أن تنتج حالة دائمة من السيولة السياسية والأمنية داخل الشرق الأوسط وخارجه.
من مكافحة الإرهاب إلى حماية الدولة الوطنية
ما يجعل الوثيقة مختلفة عن استراتيجيات مكافحة الإرهاب السابقة هو أنها تنطلق من تصور أوسع بكثير لطبيعة الصراع العالمي. فالولايات المتحدة هنا لا تبدو منشغلة فقط بمنع هجوم إرهابي، بل بحماية الدولة القومية، والحدود، والهوية السياسية الوطنية، من القوى العابرة للحدود، سواء كانت تنظيمات جهادية، أو كارتلات لاتينية، أو شبكات أيديولوجية عالمية.
ومن هذه الزاوية يصبح التركيز على الإخوان جزءًا من تحول أعمق داخل الفكر الغربي نفسه، تحول يعكس تراجع الثقة بالنموذج الليبرالي المعولم الذي ساد بعد الحرب الباردة. فالغرب الذي دعم لعقود للانفتاح العالمي، والمجتمع المدني العابر للحدود، والحركات فوق القومية، أصبح أكثر ميلًا اليوم إلى: الدولة الصلبة، والأمن الوقائي، والسيادة المشددة.
تقاطع أمريكي مصري جديد
بالنسبة لمصر، تكشف الوثيقة عن لحظة تقاطع استراتيجية مهمة مع واشنطن. فالقاهرة التي بنت خطابها منذ سنوات حول: مركزية الدولة الوطنية - خطورة التنظيمات العابرة للحدود - ارتباط بعض تيارات الإسلام السياسي بحالة عدم الاستقرار الإقليمي، تجد اليوم صدى أكبر لهذه الرؤية داخل قطاعات مؤثرة من المؤسسة الأمريكية.
لكن هذا التقاطع لا يعني تطابقًا كاملًا في الرؤى، فالولايات المتحدة تنطلق في النهاية من منظور الأمن القومي الأمريكي، بينما تنظر مصر إلى القضية باعتبارها مرتبطة ببقاء الدولة الوطنية وتماسكها الداخلي والإقليمي.
ومع ذلك، فإن الوثيقة تشير بوضوح إلى أن واشنطن لم تعد ترى ما يسمى بالإسلام السياسي باعتباره مجرد فاعل يمكن دمجه سياسيًا، بل باتت تنظر إليه بدرجات متفاوتة كجزء من بنية عالمية عابرة للسيادة يمكن أن تهدد الاستقرار الدولي.
عالم ما بعد العولمة السياسية
في جوهرها، تكشف الاستراتيجية الأمريكية الجديدة أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة تقترب من نهايتها الفكرية، فالعالم الذي افترضت فيه القوى الغربية أن: الحدود ستتراجع، والهويات الوطنية ستلين، والشبكات العابرة للدولة ستعزز الاستقرار، أصبح اليوم أكثر قلقًا من هذه الشبكات نفسها.
ومن هنا يمكن قراءة التركيز غير المسبوق على جماعة الإخوان المسلمين باعتباره جزءًا من تحول عالمي أوسع قوامه عودة الدولة القومية بوصفها الوحدة الأساسية للأمن والسياسة والشرعية، بعد عقود من صعود الفاعلين العابرين للحدود.
وفي هذا السياق، تبدو مصر بخبرتها الطويلة في الصراع مع ما يسمى بالإسلام السياسي العابر للدولة أقرب إلى أن تكون نموذجًا مبكرًا لما بدأت قوى دولية كبرى في إدراكه اليوم: أن أزمة الشرق الأوسط لم تكن فقط أزمة إرهاب، بل أزمة صراع على مفهوم الدولة نفسها.
اقرأ أيضا
إيران: لم نتوصل حتى الآن لنتيجة بشأن المقترح الأمريكيواشنطن تصعد.. عقوبات جديدة من الخزانة الأمريكية ضد إيران
عاجل| إيران وأمريكا تخفضان طموح التوصل لتسوية شاملة بشأن البرنامج النووي
















0 تعليق