نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كنز بيزنطي مخفي: ظهور أيقونة ملكيّة نادرة ليوسف المصوّر - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 7 مايو 2026 02:34 مساءً
الأب نقولا الرياشي
تُمثّل أيقونة والدة الإله المرشدة، من القرن السابع عشر، العذراء "المرشدة" أو "الهادية" (Hodigitria)، أي التي تُشير إلى الطريق، حاملةً الطفل يسوع على ذراعها اليسرى بينما يدها اليمنى تشير إليه، كأنها تقول: "هو الطريق". الطفل يسوع يبارك بيده اليمنى، ويحمل بيده الأخرى لفافة (رمز الكلمة الإلهية).
تُنسب هذه الأيقونة إلى يوسف المصور مؤسس فن الأيقونة الملكيّة. ولد في حلب أواخر القرن السادس عشر وتوفي نحو سنة 1660. روميّ ملكيّ المذهب، تلميذ المطران ملاتيوس كرمه، كاهن من إكليروس حلب للروم الملكيين. لم يُعرف الكثير عن حياته ما عدا اسم ولدين من أبنائه: أولهما القس نعمه الذي خلفه في رسم الأيقونات، وثانيهما الحاج زخريا الذي أوقف لدير البلمند سنة 1699 أيقونة من صنع أخيه القس نعمه تمثل القديسين سمعان العمودي وسمعان الحديث الذي نسك في الجبل العجيب. وحتى اليوم يعتقد أنه تم العثور على ما يقارب اثنتين وعشرين أيقونة من صنع يوسف المصور، وهذه الأيقونة - مريم العذراء المرشدة - هي الثالثة والعشرون، بعضها مؤرخ وبعضها تثبت نسبته إليه بالمقارنة. وجدت الأيقونة في حلب في حالة يرثى لها، ورُممت على يد الفنان نعمة بدوي، وهي الآن ضمن مجموعة خاصة لعائلة الرياشي.
في أعلاها نرى ملاكين صغيرين في الزاويتين، في وضعية خشوع، يوجّهان النظر نحو المسيح، ما يؤكد بُعده الإلهي. وجودهما في الأعلى يذكّر بأن هذا الطفل هو ربّ الملائكة.
أما مريم العذراء فتتّسم ملامحها بالوقار والسكينة، وهذا ما يميز أسلوب يوسف المصور الذي حافظ على القواعد البيزنطية التقليديّة الصارمة: الوجوه المهيبة، العيون الواسعة والمتأملة، دفء في النظرات، الجباه مضاءة كأنها تدعو المؤمن إلى الثقة والاتكال. تلتف العذراء بمعطف تقليدي تزينه ثلاث نجوم: الأولى عند أعلى الجبين والثانية على الكتف اليمنى، بينما الثالثة لا نراها إلا من خلال يسوع المسيح، وهذا ما أشار إليه القديس يوحنا الدمشقي، المدافع الأول عن الأيقونات، في عظته الخاصة بميلاد السيدة: مريم هي "حلية البتولية، تلك التي ستلبث عذراء قبل الولادة، وعذراء في الولادة، وعذراء بعد الولادة، التي هي وحدها دائمة البتولية بالفكر والنفس والجسد". عينها لا تنظر إلى ابنها إنما إلى الناظر إليها، وتحدق إليه. وهذه إحدى خصائص الفن البيزنطي، إذ تحدق الأيقونة إلى الناظر إليها، وتلتقي عيون من تمثل بعيون الناظر إليها.
أيقونة ملكيّة نادرة ليوسف المصوّر.
ويظهر الطفل يسوع في هيئة المعلّم والملك، يجلس بثبات على ذراع أمه، ملامحه جدية وهادئة كأنه يقول منذ طفولته: "أنا هو الطريق والحق والحياة". يبارك بيده اليمنى ويحمل باليسرى اللفائف.
ثيابه تقسم إلى قسمين: الثوب الداخلي (الكيتون) العربي الصنع، المزين بأشكال هندسيّة، فاتح اللون يرمز إلى نقاوة الطبيعة البشرية التي أخذها المسيح، وتجسده الحقيقي كإنسان كامل. أما الرداء الخارجي (الهيماتيون) فبنيّ مائل إلى الذهبي، وهو لون المجد الإلهي، والنور غير المخلوق. هذا ما نراه في شخصية المسيح من خلال النقوش على ثوبه والزخارف الصغيرة الواضحة كعلامة التعليم والتقديس والتدبير: معلم (اللفافة في يده)، كاهن (البركة إذ إنه سيقدّم ذاته ذبيحة) وملك (ثوب ملوكي).
طيات ثياب مريم والطفل مرسومة ومحددة بخطوط واضحة وقوية، الحركة محدودة بدقة كلاسيكيّة، لتُظهر أن الجسد ممجد وليس خاضعا للزمن، ولتعلن أن المسيح ليس طفلا عاديا بل حكمة الله المتجسدة.
ألوان الأيقونة متناسبة لكنها أقل حدة من الفن اليوناني التقليدي. أما الزخارف فقليلة جداً ومحدودة، لكنها ظاهرة من خلال الهالة فوق رأس العذراء والطفل، وهو ما يميز عمل يوسف المصور الذي استخدم الهندسة الشرقيّة والزخارف النباتيّة التي تُشبه الوردة أو الإكليل حول العذراء، وهذا ما يربط الأيقونة بالبيئة الحلبيّة والفنّ العربي المحيط بها.








0 تعليق