نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وزيرة الثقافة - جريدة هرم مصر, اليوم الخميس 7 مايو 2026 11:37 صباحاً
تعرفتُ على الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، خلال فترة رئاستها لأكاديمية الفنون في روما، كما جمعتنا لقاءات قصير في مكتب الكاتب الصحفي حلمي النمنم أثناء توليه حقيبة وزارة الثقافة.
ومن خلال هذه اللقاءات، بدت ملامح شخصية جادة ومحترمة، تجمع بين الفكر والحيوية، وتسعى دائمًا إلى تطوير أي مؤسسة تتولى مسؤوليتها، واضعة نصب عينيها أهمية الدور الثقافي في بناء الوعي.
وخلال الفترة الأخيرة، تابعتُ باهتمام ما قامت به من اجتماعات مكثفة تستهدف تطوير منظومة النشر داخل الوزارة، وهي خطوة تعكس إدراكًا حقيقيًا للتحديات التي تواجه الكتاب في مصر، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع أو الوصول إلى القارئ، غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تحتاج إلى أن تتكامل مع مشروع أكبر وأكثر شمولًا، وهو ما يدفعني إلى التأكيد على ضرورة أن تضع وزيرة الثقافة نصب عينيها المشروع الأهم في هذه المرحلة، والمتمثل في إطلاق مشروع قومي للقراءة.
فنحن في حاجة ملحة، في ظل هيمنة الغزو الثقافي الأجنبي، وسيطرته على كثير من تفاصيل حياتنا اليومية، إلى التفكير الجاد في إطلاق مشروع وطني للقراءة، يكون هدفه الأساسي إتاحة الكتاب للجميع، لا باعتباره سلعة ترفيهية، بل كحق أصيل من حقوق المواطن. فالمعرفة لم تعد رفاهية، بل أصبحت ضرورة حيوية ترتبط بتقدم المجتمعات واستقرارها.
وقد سبق أن نادينا بمثل هذا المشروع في فترات سابقة، خاصة مع ما نشهده من تراجع ملحوظ في معدلات القراءة، وانحسار دور الكتاب أمام زحف الوسائط السريعة، التي باتت تستحوذ على اهتمام قطاعات واسعة من الجمهور.
ولعل تجربة مكتبة الأسرة تظل نموذجًا ملهمًا يمكن البناء عليه والانطلاق منه نحو آفاق أوسع. فقد كان لهذا المشروع دور بالغ الأهمية في تثقيف أجيال كاملة، وأسهم في تكوين مكتبات منزلية حقيقية داخل بيوت الطبقة المتوسطة والفقيرة، كما نجح في خلق علاقة يومية بين المواطن والكتاب.. ولم يكن مجرد مبادرة لتخفيض أسعار الكتب، بل مشروعًا تنمويًا ثقافيًا متكاملًا، أعاد الاعتبار لفكرة القراءة المستمرة، ورسّخ حضور الكتاب في الحياة اليومية للمجتمع.
ومن هنا، فإن إعادة إحياء مشروع قومي للقراءة، برؤية جديدة وآليات حديثة، باتت ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي آخر، نحن بحاجة إلى مشروع يصل إلى القرى والنجوع، ويخاطب الأطفال والشباب، ويضع الثقافة في قلب عملية بناء الإنسان.
فالمعارض الثقافية تظل مهمة، والاحتفاء بالكتاب ضروري، لكن الثقافة الحقيقية لا تُبنى في أيام معدودة أو مناسبات موسمية، بل عبر مشروع مستدام يجعل القراءة جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية.
وأرى أن إطلاق مشروع قومي جديد للقراءة ليس بالأمر الصعب، خاصة في ظل وجود تجربة ناجحة وراسخة مثل «مكتبة الأسرة»، التي أثبتت قدرة الدولة على إتاحة المعرفة وتحقيق انتشار واسع للكتاب بأسعار رمزية.
فالجهات التي استطاعت تنفيذ هذا المشروع من قبل، تمتلك الخبرة الكافية لإعادة تقديمه أو تطوير نموذج مشابه، يواكب متغيرات العصر، ويستفيد من أدوات التكنولوجيا الحديثة، دون أن يفقد جوهره الأساسي القائم على إتاحة المعرفة للجميع.
كما أن وزارة الثقافة المصرية تمتلك المقومات اللازمة لقيادة هذا المشروع، من خلال بناء شراكات حقيقية مع دور النشر، والمؤسسات الثقافية والتعليمية، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني. ومن شأن هذا التعاون أن يضمن تنوع العناوين وجودتها، فضلًا عن إتاحتها بأسعار تتناسب مع الظروف الاقتصادية للمواطنين، بما يعزز من فرص انتشار الكتاب، ويعيد له مكانته الطبيعية في المجتمع.
ولا تقتصر أهمية المشروع القومي للقراءة على دعم الوعي الثقافي فحسب، بل تمتد إلى تعزيز الهوية الوطنية في مواجهة التغلغل المتزايد للثقافات الأجنبية، فإتاحة الكتاب الجاد تمثل إحدى أهم أدوات حماية الوعي، وبناء مجتمع قادر على التفاعل مع العالم بثقة، دون أن يفقد خصوصيته الثقافية أو يتخلى عن ثوابته.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو على بناء الإنسان، ولا سبيل إلى ذلك دون مشروع وطني جاد يعيد للقراءة مكانتها، ويجعل من الثقافة قوة فاعلة في تشكيل الحاضر وصناعة المستقبل.
اقرأ أيضاً
«قصور الثقافة» تُدعم قرى الغربية بأنشطة فنية تعزز الوعي والتنميةدورة استثنائية باسم رياض الخولي.. موعد انطلاق مهرجان المسرح العالمي بالإسكندرية
















0 تعليق