نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القوة الناعمة العربية بين الجذب والهيمنة.. لماذا نملك ولا نؤثر؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 6 مايو 2026 01:59 مساءً
إنها لحظة مصارحة إلى حد الإزعاج:
العالم لا يتجاهلنا.. نحن الذين لم ننجح في أن نجعله ينتبه. نمتلك تاريخا يُدرس، ولغة تُقدّس، وثقافةً يُفترض أن تُلهم، ومع ذلك حين تُصنع صورة العالم اليوم، فلسنا نحن من يرسمها.
نحن فقط نعلق عليها.
المشكلة ليست أن العالم ضدنا، بل أن العالم لا يرانا كما نتصور أنفسنا.
نحن لا نتحدث عن منطقة فقيرة في مواردها الثقافية، بل عن واحدة من أغنى مناطق العالم حضاريا.
تاریخ ممتد، لغة واحدة تجمع مئات الملايين، عمق ديني وثقافي يصل إلى أكثر من مليار إنسان، وإنتاج فني كان يوما يصوغ وجدان المنطقة.
ومع ذلك، حين ننظر إلى خريطة التأثير العالمي، نجد فجوة صارخة اللغة العربية ( رغم انتشارها ) إلا أن حضورها الرقمي محدود، الجامعات العربية تأثيرها الدولي ضعيف، والإنتاج الثقافي نادرًا ما يتحول إلى ظاهرة عالمية. المفارقة موجعة نملك.. .لكن لا نؤثر.
حين نبحث عن أمثلة، نهرب إلى الاستثناءات.
نشير إلى محمد صلاح كرمز عالمي، ونطمئن.
لكن الحقيقة غير المريحة أن صلاح لم يُصنع داخل منظومة قوة ناعمة عربية بل داخل منظومة احترافية عالمية.
نحن نحتفي به، لكننا لم نبن ما يُنتج "صلاحًا آخر ".
نقول إن لدينا الدراما المصرية، وهذا صحيح تاريخيًا، لكنها اليوم تكافح للبقاء داخل حدودها بعد أن كانت تصنع خيال المنطقة.
ونقول إن الأزهر أحد أعمق أدوات النفوذ الحضاري، وهو كذلك بالفعل، لكنه يعمل في كثير من الأحيان منفردًا دون امتداد مؤسسي حديث يوازي وزنه. نحن نملك نماذج لامعة.. .لكننا لا نملك منظومة تصنع منها أثرًا مستدامًا.
نخطئ حين نظن أن العالم يتأثر بما نقوله عن أنفسنا. العالم لا يتغير بالبيانات بل بالتجربة.
نتأثر بفيلم يجعلك تبكي، بأغنية تسكن ذاكرتك بلاعب كرة يجعلك تحب بلدا لم تزره بمدينة تمنحك شعورًا لا يُنسى.
القوة الناعمة ليست خطابًا.. .بل تجربة شعورية كاملة. وهنا تحديدا نخسر المعركة تخاطب العقل بينما الآخر يخاطب الوجدان.
ولنأخذ مثالا يبدو بسيطًا.. .لكنه كاشف إلى حد الإزعاج.
كم منا تعاطف مع توم وجيري منذ الطفولة؟
كم مرة ضحكنا حين ينجو الفأر ويفشل القط؟
المفارقة أن هذا التعاطف لم يكن بريئًا كما نظن.
فأنت دون أن تشعر، انحزت إلى فأر يعيش في البالوعات، رمز تاريخي للأوبئة ضد قط يعد من أكثر الحيوانات الأليفة نظافة ووداعة.
لم يطلب منك أن تغير قناعتك، بل أعيد تشكيل شعورك.
الإيقاع الموسيقى، السرد، تكرار الحكاية.. .
صناعة ضخمة استهدفت تعاطفا يبدو طبيعيًا وهو في الحقيقة مصمم.
هذا هو جوهر القوة الناعمة في أعلى درجاتها:
ليست أن تقنعك بما هو صحيح، بل أن تجعلك تشعر بأن ما تريده هي طبيعي وصحيح. هنا لا نتحدث عن جذب فقط.. .بل عن هيمنة إدراكية.
وهنا السؤال الذي لا نحب أن نواجهه:
إذا كانت ثقافات أخرى قادرة على جعلنا نتعاطف مع فأر ضد طبيعة الأشياء، فلماذا نعجز نحن عن جعل العالم يتعاطف مع قضايا عادلة تخصنا؟
المشكلة ليست أن الآخرين أذكى منا، بل أننا ما زلنا نخاطب العالم وكأنه سيقتنع بالحقائق وحدها.
تكثر من الشرح وتقلل من التأثير، تجادل ولا تبدع، نطلب من العالم أن يفهمنا دون أن نبذل جهدًا حقيقيا لندخل وجدانه.
القوة الناعمة في معناها القديم كانت تقوم على الجذب
أن يحبك الآخر ويتأثر بك. أما اليوم، فالمعادلة أعمق: أن تسهم في تشكيل ما يراه الآخر طبيعيًا ومقبولا ومرغوبا.
أن تصبح مرجعًا إدراكيًا لا مجرد طرف جذاب. الفارق بين من يجذب ومن يهندس الجذب أن الأول يعتمد على ما يملك، بينما الثاني يفهم كيف يعمل العقل البشري.. .ويعيد تشكيله بهدوء.
إذا أردنا فهم الفجوة بصدق، فعلينا أن نعترف بما لا نحب قوله. نعيش على أمجاد الماضي وكأنها رصيد دائم، نشتت جهودنا في مبادرات بلا رؤية جامعة نخاف من الإبداع الحر ثم نتساءل لماذا لا ننافس، نقدم خطابًا مباشرا في عالم لا يستمع إلا للفن، وتهمل الاقتصاد الذي يحمي الثقافة ويمنحها القدرة على الاستمرار. نريد تأثيرًا عالميا.. .بأدوات محلية محدودة.
والأخطر أن القوة الناعمة ليست ساحة اختيار.. .بل ساحة صراع.
حين يفشل بلد في بنائها، لا يبقى محايدًا، بل يصبح موضوعا لقوة الآخرين. تصنع صورته خارجيًا، ويُعاد تعريفه وفق مصالح غيره، وتحدد مكانته دون أن يُشارك في تحديدها. ببساطة: إذا لم تُسهم في تشكيل وعي العالم، سيتم تشكيلك داخله.
الحل ليس معجزة، ولا يبدأ من الصفر. نحن نملك ما يكفي:
محمد صلاح كنموذج لما يمكن أن يحدث الأزهر كنموذج لما يمكن أن يستمر، والدراما المصرية كنموذج لما يمكن أن يعود لكن هذه النماذج لن تتحول إلى قوة إلا إذا أصبحت جزءا من مشروع متكامل:
صناعة ثقافية حقيقية، تعليم يجذب العالم، حضور رقمي يضع العربية في قلب التكنولوجيا، اقتصاد يحول الثقافة إلى قيمة قابلة للتصدير، واستراتيجية تعرف ماذا تريد ولماذا ولمن
الحقيقة الأخيرة - وربما الأكثر إزعاجًا - أننا لا نعاني لأننا ضعفاء، بل لأننا غير منظمين في قوتنا نملك ما يكفي لنكون مؤثرين، لكننا لا نملك ما يكفي لنكون حاسمين
ويبقى السؤال الذي يجب أن يزعجنا
إلى متى سنظل نحتفي بالاستثناءات؟ ومتى نبدأ في صناعة القاعدة؟
هل نريد أن نكون مجرد ثقافة "محبوبة".. .أم قوة ناعمة قادرة على الجذب وصناعة الهيمنة؟
اقرأ أيضاً
تخريب ممنهج للاقتصاد المصري وضرب منظومة التكافل الاجتماعي
















0 تعليق