نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"بيت الممزر" في قلب دبي... تجربة تكسر نموذج المزادات التقليدي - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 5 مايو 2026 08:04 مساءً
من بيتٍ عائلي في منطقة الممزر في دبي، بدأت الحكاية. لم يكن الأخوان الإماراتيان غيث وخالد عبدالخالق عبدالله يبحثان عن مشروع مؤسسي جاهز، ولا عن نموذج ثقافي مكتمل الملامح، بل كان السؤال أبسط بكثير: ماذا يمكن أن يفعل الفن ببيتٍ كان يوماً لجدّتهما؟ وكيف يمكن لمساحة حميمة، محمّلة بالذاكرة والعلاقة بالمكان، أن تتحوّل إلى نقطة التقاء للفنانين والممارسين والجمهور؟
هكذا وُلد "بيت الممزر"؛ مساحة حيّة للتجريب والحوار وبناء المجتمع. بدأ المشروع من رغبة متواضعة في توفير مكان يدعم الفنانين والممارسين، عبر الاستوديوهات والإقامات والمعارض والبرامج العامة والمبادرات الصغيرة التي تنمو بهدوء، ومع الناس الذين يستخدمون البيت ويمنحونه المعنى.
النتيجة؟ "مزادات بيت الممزر"؛ منصة مزادات تجارية صغيرة تنطلق من روح البيت وعلاقته بالمجتمع الفني، وتستجيب في الوقت نفسه لحاجة واضحة في السوق: إتاحة تداول الأعمال الفنية المعاصرة من الفئة المتوسطة في الإمارات والمنطقة، وفتح مسار أكثر مرونة أمام المقتنين لبناء مجموعات فنية طويلة الأمد.
جانب من افتتاح معرض “Crystal Clear“.
في المزاد الفني الأول (2 أيار/مايو)، أكد غيث عبدالله أن الإقبال كان جيداً، خصوصاً أن التجربة تمثّل النسخة الأولى من منصة مزادات جديدة تعمل ضمن مساحة لا تزال غير مخدومة بما يكفي في السوق المحلي. وأشار إلى أنه من أصل 21 عملاً فنياً، بقيت 8 أعمال غير مباعة، فيما بلغ إجمالي المبيعات أكثر من 100 ألف درهم إماراتي (نحو 27 ألف دولار).
"نتحرك في منطقة جديدة نسبياً داخل سوق الفن في الإمارات والمنطقة"، يقول غيث لـ"النهار"، "لذلك كان هناك قدر كبير من عدم اليقين حول كيفية استجابة الجمهور والمقتنين لفكرة مزاد محلي يركز على السوق الثانوية المتوسطة السعر".
تختلف "مزادات بيت الممزر" من خلال تركيزها على شريحة لا تحظى بخدمة كافية في السوق، وهي الأعمال الفنية التي تقل قيمتها غالباً عن 10 آلاف دولار. هذه الفئة لا تكون عادة ضمن أولويات دور المزادات الكبرى، لأن نموذجها الاقتصادي لا يجعل التعامل مع هذه الأسعار مجدياً بالقدر نفسه.
“مزادات بيت الممزر“. (يوسف الحرمودي)
لا تسعى المنصة إلى منافسة دور المزادات الكبرى أو تكرار نموذجها، بل إلى بناء منصة أصغر وأكثر محلية، تخدم جزءاً محدداً ومهماً من السوق، وتتعامل معه بطريقة واضحة وموثوقة وقريبة من المجتمع الفني الذي تنتمي إليه هذه الأعمال.
تنظر "مزادات بيت الممزر" إلى العمل الفني من أكثر من زاوية: أهمية الفنان، وتاريخ العمل، وعلاقته بالمشهد الفني في الإمارات أو المنطقة، وجودته، ومدى حضوره ضمن سياق أوسع من الممارسة الفنية. بعد ذلك، تأتي القيمة السوقية كجزء من الصورة، لا كبديل عنها. فالسعر مهم داخل المزاد، لكنه لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد لفهم قيمة العمل أو مكانته.
أما في ما يتعلق بذائقة الجمهور، فيرى غيث أن هناك تحوّلاً واضحاً، وإن كان يحتاج إلى قراءة واقعية. فمنظومة الفن في الإمارات والمنطقة ما زالت في طور النمو، ولا يزال تطوير ثقافة الاقتناء يحتاج إلى وقت وعمل طويل. ومع ذلك، يلمس اهتماماً متزايداً من جيل أصغر سنّاً، يأتي بثقة أكبر ووعي أوسع بقيمة الفن.
غيث عبدالله أمام منزل جدته.
وفي بلد مثل الإمارات، لا يمكن الحديث عن الفن المحلي بمعزل عن التعددية التي تشكّل المشهد. فالفن هنا نشأ من تداخل جنسيات وخلفيات وتجارب متعددة: من الإمارات والخليج، ومن العالم العربي، وإيران، وجنوب آسيا، ومناطق أخرى ارتبطت تاريخياً واجتماعياً وثقافياً بهذه الجغرافيا. لذلك، فإن تقديم أسماء من الإمارات إلى جانب أسماء من المنطقة لا يضعف التركيز المحلي، بل يوسّعه ويجعله أكثر صدقاً.
هكذا تبدو "مزادات بيت الممزر" مشروعاً صغيراً في حجمه، لكنه يلامس سؤالاً أكبر في سوق الفن في الإمارات والمنطقة: كيف يمكن بناء بنى مكملة تخدم المساحات الأقل ظهوراً في السوق؟ فالنمو يجب أن يكون في القنوات التي تدعم الفنانين في مراحل مختلفة، وتساعد المقتنين الجدد، وتمنح الأعمال الفنية حياة ثانية بعد اقتنائها الأول.
من بيت الجدّة في الممزر إلى منصة مزادات فنية، تبدو التجربة محاولة لإعادة التفكير في ما يمكن أن تفعله المساحات المستقلة حين تنمو من المكان نفسه، ومن حاجات المجتمع المحيط بها، وحين تمنح الفن فرصة أخرى ليبقى في التداول كذاكرة حيّة تتحرك بين الناس.




0 تعليق