من إسرائيل إلى إيران.. كيف غيرت القوى الدولية وعي العرب وهوية عدوهم؟ - هرم مصر

الكورة السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يشير واقع الحال العربي إلى أن تغيير هوية العدو من إسرائيل إلى إيران يمثل “الكارثة الكبرى” التي أصابت الوعي العربي، وحولت الحكومات إلى كيانات عاجزة عن الفعل رغم التعاطف الشعبي الجارف مع القضايا العادلة

وفي السياق، يرى الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات، الدكتور لقاء مكي، أن الأمة العربية تعيش أزمة عميقة منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مؤكدا أن هذا الحدث شكل نقطة تحول جوهرية في تاريخ المنطقة.

ولكن جذور الأزمة تمتد إلى أبعد من ذلك، إلى ثورة يونيو/حزيران من عام 1920، حينما شكلت حادثة الرميثة -التي وقعت على خط السكك الحديدية الرابط بين بغداد والبصرة– نموذجا مثاليا للفعل الوطني العابر للحدود الطائفية والعرقية، حيث شارك فيها السنة والشيعة والأكراد من البصرة حتى تلعفر.

وواجه الثوار العراقيون القوات البريطانية بأسلحة بدائية تضمنت العصي وأدوات الزراعة، لكنهم تمكنوا من إجبار بريطانيا على التفكير في الحكم الوطني، مما يمثل إحدى اللحظات التأسيسية في تاريخ المقاومة العربية ضد الاستعمار.

وتأسست الدول العربية الحديثة في ظل التقسيمات الاستعمارية التي فرضتها اتفاقية سايكس بيكو، لكن الشعوب العربية رفضت الخضوع للهيمنة الأجنبية.

وهو ما تجلّى في تجارب ديمقراطية رائدة مثل التي شهدتها سوريا في مطلع الثلاثينيات، حين أجرت انتخابات حرة فاز فيها رئيس وزراء مسيحي في بلد غالبيته المطلقة مسلمة، مما يدل على إمكانية بناء أنظمة ديمقراطية حقيقية لو سُمح للشعوب بالنضج السياسي.

وانتشرت موجة الانقلابات العسكرية في المنطقة بعد نكبة 1948 كرد فعل على عجز الأنظمة الملكية عن مواجهة التحدي الإسرائيلي، حيث اعتبر الضباط أن هزيمة الجيوش العربية الخمسة أمام "العصابات الصهيونية" تستدعي تغيير الأنظمة الحاكمة.

وأدت هذه الانقلابات إلى ظهور قادة مثل جمال عبد الناصر الذي تحول من ضابط فلاح إلى زعيم قومي ألهم الشعوب العربية.

وحققت لحظة تأميم السويس عام 1956 نقطة تحول جوهرية في تاريخ المنطقة، حين واجه عبد الناصر العدوان الثلاثي، مما أنهى الهيمنة العالمية لبريطانيا وفرنسا كقوتين استعماريتين وأدخل أميركا والاتحاد السوفياتي كفاعلين جدد في المنطقة.

إعلان

وعمقت نكسة يونيو/حزيران 1967 من الجراح العربية لكنها لم تقض على إرادة المقاومة، بل شجعت على ظهور تنظيمات فلسطينية جديدة وحرب الاستنزاف المصرية التي هدفت إلى إبقاء جذوة الصراع مشتعلة.

ويشير مكي إلى أن الغزو الأميركي للعراق عام 2003 شكّل كَسرة حقيقية في الروح العربية وانكسارا للذاكرة والأمل، حيث سقطت حاضرة عربية كبرى أمام الغزاة بطريقة مهينة.

وأدى هذا الانكسار إلى استكانة الحكومات العربية التي بدأت تنشد السلامة وتخاف على عروشها، بينما انكسرت الشعوب داخليا وتوقفت عن مطالبة حكوماتها بالفعل.

تحول الوعي

ويكشف الخبير عن تحول خطير في الوعي العربي، حيث تغيرت هوية العدو من إسرائيل إلى إيران في عدد من الدول العربية، مما يمثل انتكاسة إستراتيجية كبرى.

وأوضح أن السوري والعراقي واللبناني باتوا يعتبرون إيران عدوهم الأول وليس إسرائيل، وهو ما يخدم المشروع الإسرائيلي في تفكيك الجبهة العربية.

وتعاني المنطقة من أزمة عميقة في النخب التي وصفها مكي بالفاسدة والمتخلفة والمؤدلجة، مؤكدا أن هذه النخب كانت من أول من فجّر الطائفية في العراق بعد الغزو الأميركي.

وانتقد دور النخب في الترويج للانهزام والنظم المستبدة الجديدة، داعيا إلى ضرورة التخلص منها وبناء نخب جديدة تقوم على أساس الولاء للوطن.

ويواجه العالم العربي -وفقا لمكي- تحديات جوهرية في ظل عجز الحكومات عن مساندة القضية الفلسطينية رغم التعاطف الشعبي الواسع مع معاناة غزة.

وأشار إلى أن بعض الحكومات العربية تستشعر الهزيمة في داخلها وتخاف من شعوبها ومن الآخرين، مما جعل الحفاظ على الكراسي أهم من القضايا المصيرية.

وأكد مكي أن التحرر الحقيقي يتطلب وقتا للنضج ولا يحدث بقرار، مشبّها الديمقراطية بالبناء الاجتماعي الذي يحتاج عقودا لينضج كما حدث في فرنسا بعد ثورتها.

ودعا إلى السماح للتجارب السياسية بالنضج دون تدخل خارجي، محذرا من أن التدخلات الأجنبية تمنع الشعوب من اكتساب الخبرة اللازمة لبناء أنظمة سياسية ناضجة.

وأكد مكي على أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت قواعد اللعبة السياسية، حيث باتت الشعوب تكتشف طبيعة الأنظمة في أيام قليلة بدلا من عقود، مما يجعل خداع الجماهير أمرا أكثر صعوبة في العصر الحديث، ويفتح الباب أمام احتمالات جديدة للتغيير رغم كل التحديات.

Published On 31/8/202531/8/2025

|

آخر تحديث: 19:25 (توقيت مكة)آخر تحديث: 19:25 (توقيت مكة)

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق