التثقيف السياسي.. شرط النجاة من الفوضى في زمن الألفية الثانية - هرم مصر

الاسبوع 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لم تعد الفوضى التي تضرب المجتمعات في منطقتنا وليدة لحظة، بل هي انعكاس مباشر لصعود أنصاف المثقفين وأشباه السياسيين إلى المنابر ومواقع القرار. أصبح من المألوف أن نشهد مرشحين يعتلون المقاعد النيابية أو يتولون مناصب قيادية، وهم لا يملكون أبسط أدوات الفهم السياسي ولا الحد الأدنى من الإلمام بمفردات العمل البرلماني.

كيف يمكن أن نثق في نائب لا يعرف معنى اقتراح أو طلب إحاطة أو استجواب؟ وكيف يمكن أن نطمئن لمسؤول لا يجيد التعامل مع المنظومات الرقمية في عصر الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؟ وما الذي ننتظره من قيادي يجهل حساب عوائد القروض الدولية، أو يعجز عن التمييز بين الموقع والتموضع في أزمات جيوسياسية كبرى مثل صراع غزة؟.

إن هذه الفوضى ليست مجرد خلل إداري، بل هي انعكاس لـ"مأساة سياسية فلسفية" يعيشها المجتمع حينما يُختزل العمل السياسي في شعارات انتخابية رخيصة أو "شهادات استراتيجية" معلّقة على صفحات التواصل الاجتماعي بلا رصيد معرفي حقيقي.

في الألفية الثانية، لا يمكن أن يكون المرشح مجرد وجاهة اجتماعية أو صوت قبيلة أو صدى دعاية إعلامية. فالمجتمع المدني، إذا أراد أن يحافظ على حدوده الأخلاقية والأمنية، يحتاج إلى معهد للتثقيف السياسي، سنتين على الأقل، يمر عبره كل من يطمح إلى الترشح أو تقلّد المناصب. التثقيف ليس ترفًا، بل هو سلاح وعي يحدد مصير الشعوب بين النهضة والانهيار.

إننا أمام سؤال فلسفي أعمق:

هل يمكن لمجتمع أن يدخل عصر المعرفة الرقمية بعقلية السوق القديمة والسرادقات الانتخابية؟

كيف لنا أن نناقش مفهوم الأمن القومي إذا لم نميز بين "الحدود الصلبة" و"الحدود الشفافة" التي تفرضها العولمة والفضاء السيبراني؟

إن الفوضى الناتجة عن تضخم أعداد المرشحين في صورتها الكلاسيكية ليست ديمقراطية كما يتوهم البعض، بل هي مصيبة، وعار على مجتمع يعيش في قلب الألفية الثانية وما زال يدار بعقلية "المباهاة الانتخابية" لا بعقلية الدولة الحديثة.

لقد آن الأوان أن ندرك أن التثقيف السياسي ليس رفاهية أكاديمية، بل هو شرط وجودي لحماية المجتمع من عبث الجهالة السياسية، تمامًا كما يحتاج الجسد إلى مناعة ضد الأوبئة. فإذا كان الجهل عدو الحياة، فإن الجهل السياسي عدو الحضارة.

التجارب الدولية والدروس المستفادة

--تجارب كثيرة حول العالم تؤكد أن التثقيف السياسي هو أساس بناء النخب الحاكمة. ففي ألمانيا مثلًا، تُعد "الأكاديميات السياسية" جزءًا من بنية الأحزاب، حيث يخضع المرشح لتدريب في الفكر السياسي والدستور والنظام البرلماني قبل خوض الانتخابات. أما في فرنسا، فقد أصبحت "المدرسة الوطنية للإدارة" مصنعًا للسياسيين والوزراء، حيث يتلقى الدارس تكوينًا في القانون العام والاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية.

حتى في دول ناشئة كجنوب أفريقيا أو الهند، كان للتثقيف السياسي دور في نقل المجتمع من الانقسام والفوضى إلى حد أدنى من النظام والوعي المؤسسي.

وفي مصر أواخر الستينيات، جرى استحداث "معهد للتوجيه السياسي" في محاولة لتأطير العمل السياسي وتثقيف الكوادر، غير أن لكل حقبة ظروفها وسياقاتها. فما كان صالحًا بالأمس لا يعني بالضرورة أنه يلبّي احتياجات اليوم، إذ تختلف التحديات والبيئة الدولية في زمن الرقمنة والعولمة عن زمن ما بعد الاستقلال الوطني.

المواد التي ينبغي دراستها في معهد للتثقيف السياسي

إذا أردنا تأسيس معهد سياسي عربي معاصر، فينبغي أن تشمل مناهجه:

الفكر السياسي والفلسفة السياسية: لفهم تطور الدولة والسلطة عبر العصور.

القانون الدستوري والبرلماني: لمعرفة آليات التشريع والمساءلة.

الاقتصاد السياسي والمالية العامة: لفهم الموازنة، القروض، الاستثمار والعجز.

إدارة الأزمات والجغرافيا السياسية: لتفكيك الصراعات الإقليمية والدولية.

الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية: لفهم الحدود الصلبة والحدود الشفافة.

--المنظومات الرقمية والتحول التكنولوجي: لربط العمل السياسي بعصر الرقمنة.

التدريب العملي والمحاكاة: عبر برلمانات طلابية ونقاشات مفتوحة لتأهيل المرشح للتجربة الواقعية.

بهذا المعنى يصبح السياسي ليس مجرد "شخص منتخب"، بل عقل مُثقف قادر على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار. وعندها فقط يمكن للمجتمع أن يحلم بخروج من الفوضى إلى طور الدولة الحديثة.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية

اقرأ أيضاً
عبد الناصر.. من جلد الذات إلى دفن الذاكرة

عبد الناصر يعود من خارج الحدود!

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق