كوشنر وبلير وترامب.. خلفيات سياسية للتصعيد العسكري في غزة - هرم مصر

سكاي نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الاجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل جاء في ذروة التصعيد العسكري الإسرائيلي على القطاع، ليفتح الباب أمام تساؤلات عميقة: ما علاقة هذه المشاورات المغلقة بالميدان الملتهب؟ وهل نحن أمام خريطة طريق تُرسم في واشنطن ولندن لما يُعرف بـ"اليوم التالي لغزة"؟

إسرائيل أعلنت مدينة غزة منطقة قتال خطيرة، وشرعت في تكثيف عملياتها العسكرية على مشارفها.

الجيش الإسرائيلي تحدث عن "مراحل أولية للهجوم اكتملت"، مؤكداً عزمه على المضي في "تفكيك حماس عسكرياً وإدارياً"، واستعادة المحتجزين أحياء أو أموات.

وفي المقابل، أعلنت حركة حماس حالة التأهب القصوى، محذرة من أن أي رهينة إسرائيلية سيواجه مصير المقاتلين في ساحة المعركة.

إعلان نتنياهو أن الحرب ستنتهي في غزة كما بدأت، بدا أقرب إلى شعار سياسي منه إلى خطة واضحة. فحتى الآن، لم تستطع إسرائيل القضاء على قدرات حماس، بل تحولت المواجهة إلى حرب عصابات، وفق توصيف الجيش الإسرائيلي نفسه.

نزوح قسري وخطر إنساني متفاقم

إحدى أبرز ملامح المرحلة الحالية، كما رصدتها وكالة "الأونروا"، هي النزوح القسري الجماعي.

إسرائيل دعت أكثر من 1.2 مليون فلسطيني للانتقال إلى مناطق جنوب القطاع، لكنها – وفق تحليل خبراء إسرائيليين نقلته صحيفة "هآرتس" – لا تتجاوز 7 كيلومترات مربعة، وبعضها مصنف مناطق خطيرة.

هذا الواقع ينذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة، إذ يُعرض نحو مليون شخص لخطر الجوع والمرض والنزوح القسري مجدداً.

"الأونروا" دقت ناقوس الخطر، معتبرة أن العملية العسكرية الجارية تُفاقم المأساة الإنسانية، فيما تبدو إسرائيل ماضية في استراتيجيتها القائمة على إضعاف حماس عبر الضغط على المدنيين، ودفعهم جنوباً وربما إلى خارج القطاع في مراحل لاحقة.

 خلافات داخلية في إسرائيل

الخلاف بين رئيس الأركان الإسرائيلي ونتنياهو برز بشكل واضح. بينما يحاول الجيش التعامل بحسابات عسكرية دقيقة، يصر نتنياهو على التصعيد، مبرراً ذلك بأن "إسرائيل لن تهدأ حتى يعود جميع المخطوفين".

لكن الواقع يكشف أن معظم من أُعيدوا عادوا جثثاً، الأمر الذي يفاقم الغضب داخل المجتمع الإسرائيلي.

المعارضة الإسرائيلية، التي يحتشد نصف مليون من أنصارها في مظاهرات منتظمة، ترى أن نتنياهو يوظف الحرب للبقاء في السلطة، وليس لحماية أمن إسرائيل.

هنا يظهر البعد السياسي الداخلي للحرب، الذي لا ينفصل عن الدعم الخارجي الذي يحاول ترامب توفيره له.

كوشنر وبلير وترامب.. ملامح اليوم التالي لغزة

مصادر أميركية تحدثت بوضوح عن أن توني بلير وجاريد كوشنر ناقشا مع ترامب "أفكاراً حول إدارة غزة دون سيطرة حماس".

هذه النقطة تمثل حجر الزاوية في فهم العلاقة بين الاجتماع والتصعيد. فالحرب على الأرض تهدف إلى إضعاف حماس عسكرياً، فيما يجري في الكواليس بحث بديل سياسي أو إداري يملأ الفراغ.

وفق هذه الرؤية، فإن التصعيد العسكري ليس إلا تمهيداً لمرحلة سياسية جديدة، تُرسم ملامحها في الغرف المغلقة، بمشاركة شخصيات خبرت ملفات الشرق الأوسط سابقاً مثل بلير، وأخرى لعبت دوراً في مشاريع واشنطن السابقة مثل كوشنر.

 التهجير كجزء من الخطة

عضو مجلس الشيوخ المصري الدكتور عبد المنعم سعيد قال خلال حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية إن ما يحدث "متوقع منذ أسابيع"، مشيراً إلى أن الهدف الحقيقي من العمليات هو الدفع نحو التهجير القسري للفلسطينيين.

سعيد أوضح أن إسرائيل تسعى إلى حشر السكان في منطقة محدودة جنوب القطاع، ثم ترك الباب مفتوحاً أمام من يريد الخروج إلى دول أخرى.
وأضاف أن بعض الدول استقبلت بالفعل مئات من الفلسطينيين، لكن الأعداد تبقى محدودة. هذا السيناريو، بحسب رأيه، يتم ترتيبه بتنسيق مع الولايات المتحدة وعدة أطراف دولية.

دور واشنطن.. نافذة زمنية لنتنياهو

عبد المنعم سعيد أشار أيضاً إلى أن ترامب قال لنتنياهو إن أمامه أسبوعين لإنهاء المهمة. هذه النافذة الزمنية تعكس تنسيقاً دقيقاً بين واشنطن وتل أبيب: الأول يوفر الغطاء السياسي والدبلوماسي، والثاني ينفذ التصعيد العسكري على الأرض.

لكن هذا الإطار الزمني يضع حماس أيضاً تحت ضغط، حيث تسعى إلى قلب المعادلة عبر استخدام ورقة الرهائن للتأثير في الرأي العام الإسرائيلي، وخلق حالة ردع نفسي لدى القيادة السياسية والعسكرية.

إيران وحلفاؤها تحت الضغط

الحرب على غزة تجري في سياق إقليمي أكثر اتساعاً. عبد المنعم سعيد لفت إلى أن الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الأخيرة قيدت طهران في ملفات عدة، ما حدّ من قدرتها على دعم حماس كما في السابق.

كذلك، يواجه حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق ضغوطاً داخلية كبيرة بشأن مسألة السلاح.

هذه التطورات تجعل المشهد الإقليمي أقل قدرة على التفاعل المباشر مع حرب غزة، ما يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع.

مصر.. اللاعب المحوري في مواجهة التهجير

مصر، كما يرى عبد المنعم سعيد، حضرت العالم لهذه اللحظة منذ بداية الأزمة، مؤكدة أنها لن تتحمل تبعات التهجير القسري.

القاهرة ترفض أن تمر خطة ترحيل الفلسطينيين مرور الكرام، وتؤكد أن أي دخول إسرائيلي إلى أراضيها سيقود إلى نتائج وخيمة على المنطقة بأسرها.

هذا الموقف المصري يمثل حجر عثرة أمام المشاريع الإسرائيلية التي قد تراهن على نقل الفلسطينيين إلى الخارج. ومن هنا، تصبح الدبلوماسية المصرية لاعباً أساسياً في أي ترتيبات تخص "اليوم التالي".

 

أزمة الشرعية الدولية

التصعيد العسكري ترافق مع خطوات أميركية لمنع الفلسطينيين من الدخول إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما اعتبره سعيد انتهاكاً صارخاً للقوانين والمعاهدات الدولية.

منظمة التحرير الفلسطينية تتمتع بعضوية المراقب في الجمعية العامة، ومنعها من المشاركة يعكس محاولة لإقصاء صوتها في لحظة حرجة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر من المجاعة في غزة، ومن استخدام الطعام كسلاح حرب، فيما أشار تقرير أممي أخير إلى أن ما يجري يمثل اختباراً وجودياً للنظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.

خريطة معركة معقدة

المرحلة الحالية من الحرب، كما وصفها سعيد، لا تزال تمهيدية، حيث تضع إسرائيل قواعد عسكرية داخل القطاع، وتنسق عملياتها عبر الأقمار الصناعية وبدعم أميركي متواصل. لكن حسم هذه المعركة لن يتحقق إلا بقرار من حماس بوقف القتال أو تغيير استراتيجيتها.

في المقابل، تستمر اللقاءات السياسية في واشنطن ولندن لترتيب المستقبل. وجود كوشنر وبلير على خط التشاور يعكس محاولة جادة لرسم مسار سياسي يتكامل مع العمليات العسكرية.

بمعنى آخر، الميدان والقاعات المغلقة يسيران في خطين متوازيين نحو هدف واحد: إقصاء حماس وإعادة صياغة واقع غزة.

الاجتماع الذي جمع ترامب بكوشنر وبلير ليس تفصيلاً عابراً في سياق الحرب على غزة، بل هو جزء من لوحة أكبر يتداخل فيها العسكري بالسياسي، والداخلي بالإقليمي.

التصعيد الميداني الإسرائيلي يهدف إلى إضعاف حماس وخلق واقع جديد على الأرض، فيما يجري في الكواليس إعداد سيناريوهات لما بعد الحرب، تراهن على إدارة غزة من دون حماس.

بين الميدان والسياسة، يدفع الفلسطينيون الثمن الأكبر: نزوح قسري، خطر مجاعة، وانسداد أفق سياسي. أما إسرائيل، فتمضي في حربها وسط خلافات داخلية وضغوط خارجية، بينما يسعى نتنياهو إلى النجاة سياسياً.

وفي قلب هذا المشهد، يظهر الدور الأميركي عبر ترامب وكوشنر، والدور البريطاني عبر بلير، لترتيب مآلات مرحلة حرجة قد تعيد رسم ملامح القضية الفلسطينية برمتها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق