نجية دهشة
Published On 29/8/202529/8/2025
|آخر تحديث: 22:29 (توقيت مكة)آخر تحديث: 22:29 (توقيت مكة)
بيروت- جدد مجلس الأمن الدولي ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) حتى نهاية عام 2026، في قرار اعتبر مفصليا وحمل أبعادا سياسية وأمنية تتجاوز التمديد الروتيني، وسط توتر متصاعد على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، واستمرار الجدل الداخلي حول مهام القوة وصلاحياتها.
فقد تبنى المجلس بالإجماع القرار رقم 2790، الذي ينص على تمديد الولاية لعام وأربعة أشهر إضافية للقوات الدولية العاملة في لبنان، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجي ومنظم للقوات خلال عام واحد.
ويعيد القرار التأكيد على دور اليونيفيل في دعم الجيش اللبناني وتطبيق القرار 1701 الذي أرسى وقف الأعمال القتالية بعد حرب يوليو/تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل.
كما دعا مجلس الأمن إسرائيل إلى الانسحاب من شمال الخط الأزرق ومن خمس نقاط متحفظ عليها داخل الأراضي اللبنانية، مطالبا السلطات اللبنانية بالانتشار في المواقع التي تُخليها إسرائيل، بدعم من الأمم المتحدة.
وفي بيروت، رحبت السلطات اللبنانية بالقرار، إذ توجه الرئيس جوزيف عون بالشكر إلى أعضاء المجلس الخمسة عشر على إجماعهم، مثمنا دور فرنسا على وجه الخصوص في إعداد النص، والولايات المتحدة لتفهمها ظروف لبنان ودعمها للمسودة الفرنسية.
من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن التمديد يشكل "مرحلة انتقالية" تنتهي بانسحاب تدريجي وآمن، مشددا على أهمية استمرار عمل القوة الدولية "بما يحفظ السيادة اللبنانية ويعزز التنسيق مع الجيش".
وتنتشر اليونيفيل التي تأسست عام 1978 إثر الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان على طول الحدود الجنوبية بمشاركة نحو 10 آلاف جندي من جنسيات متعددة، وقد توسعت مهامها بعد حرب 2006 لتشمل مراقبة وقف إطلاق النار ومساعدة الجيش اللبناني في بسط سلطته جنوب الليطاني.
غير أن مهمتها لم تخلُ من التحديات، إذ شهدت السنوات الأخيرة احتكاكات مع بعض الأهالي وصلت أحيانا إلى حد الاعتداء على دورياتها، في حين تتهمها إسرائيل بالعجز عن وقف تهريب السلاح إلى حزب الله، بينما يصر لبنان على أن صلاحياتها تقتصر على المراقبة والدعم اللوجستي دون التدخل في مهام الجيش.
إعلان
ويرى مراقبون أن التمديد الأخير يعكس موازين القوى الدولية في التعاطي مع ملف الجنوب اللبناني، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من انزلاق الحدود مجددا نحو مواجهة مفتوحة بين حزب الله وإسرائيل.
حماية دولية
بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل أن قرار التجديد لليونيفيل لأربعة عشر شهرا، وللمرة الأخيرة جاء نتيجة تسوية بين الولايات المتحدة التي كانت تميل لإنهاء مهمتها فورا، وبين فرنسا وباقي دول مجلس الأمن التي فضلت تمديد مهمتها من دون تحديد مدة مستقبلية.
ويشير شربل في حديثه للجزيرة نت إلى أن القوة الدولية ستواصل دعم الجيش اللبناني في تطبيق القرار 1701 جنوب الليطاني، والمتضمن نزع سلاح حزب الله، وضمان انسحاب إسرائيل من النقاط المحتلة وفق اتفاق "وقف الأعمال العدائية" الموقع في 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كما ستستمر اليونيفيل في دورياتها ومهام المراقبة على طول خط الهدنة بين لبنان وإسرائيل.
ويضيف شربل أن للبنان مصلحة واضحة في بقاء هذه القوة لأسباب عملية وسياسية، إذ لا تملك الدولة حاليا القدرة على سد الفراغ الذي يتركه انسحاب نحو عشرة آلاف جندي دولي يساندون الجيش اللبناني في الجنوب.
ويؤكد المحلل السياسي أن لبنان يحتاج إلى اليونيفيل كدرع حماية سياسية ودبلوماسية أمام إسرائيل، إذ تلعب القوة الدولية أحيانا دور الوسيط لعقد اجتماعات عسكرية غير مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لحل إشكالات حدودية.
ويختم شربل بالتحذير من أن غياب القوة الدولية سيضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، وهو سيناريو غير متكافئ قد يجر البلاد إلى مفاوضات مباشرة مع تل أبيب لا تستطيع تحمل تبعاتها.
حل وسط
بدوره، يرى المحلل السياسي توفيق شومان أن التمديد للقوات الدولية العاملة في جنوب لبنان يمثل حلا وسطا على المستوى الدولي، بين موقف فرنسا الداعم لاستمرار هذه القوات والولايات المتحدة الأميركية التي لا ترى جدوى من استمرارها، بما يتوافق أيضا مع وجهة النظر الإسرائيلية.
أما على الصعيد السياسي والأمني، فيشير شومان -للجزيرة نت- إلى أن إنهاء عمل القوات الدولية في العام المقبل لا يمكن فصله عن رغبة واشنطن في استبدالها بقوات متعددة الجنسيات تحت إشراف أميركي، تشارك فيها ألمانيا وبريطانيا، وهو الطرح الذي سبق إعلان وقف إطلاق النار المفترض في 24 نوفمبر/ تشرين الثانين الماضي.
ويضيف شومان أن هناك أيضا نقاشا حول إمكانية مشاركة قوات عربية في الوحدات العسكرية المزمع نشرها في جنوب لبنان، ما يطرح تساؤلات حول استبدال القوات الدولية بقوات غير خاضعة لمجلس الأمن الدولي.
ويشير إلى أن هذا التحرك قد يكون مقدمة لاختبار رد الفعل اللبناني على مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة الذي كشف عنه المبعوث الأميركي إلى لبنان توم باراك خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت.
مرحلة فاصلة
ويرى الخبير العسكري العميد حسن جوني أن قرار تمديد مهمة قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان (اليونيفيل) لستة عشر شهرا إضافيا يحمل دلالات أبعد من كونه إجراء روتينيا، إذ يفتح الباب أمام مرحلة حاسمة في مستقبل وجود هذه القوات.
إعلان
ويشير جوني في حديثه إلى الجزيرة نت إلى أن هذه الفترة ستكون بمثابة العد العكسي للبحث في مصير اليونيفيل، فالوضع القائم ليس مرشحا للاستمرار طويلا وسط تصاعد التطورات السياسية والأمنية في المنطقة.
ويضيف أن الخيارات المطروحة تنحصر بين مسارين: إما التوصل إلى تسوية تضمن الاستقرار وترتيب الأوضاع الأمنية، أو الانزلاق نحو مواجهة جديدة تفرض ترتيبات مغايرة على الأرض.
ويتابع أن التمديد الأخير يبدو عمليا بمثابة تمهيد لمرحلة نهائية، إذ إن استمرار وجود القوات بعد 16 شهرا قد يفقد جدواه، فإذا تحقق الاستقرار تنتفي الحاجة إليها، وإذا تفجرت الأوضاع مجددا فلن يكون بمقدورها منعه، مما يجعل وجودها بلا معنى.
ويخلص جوني إلى أن التمديد الحالي يصب في مصلحة لبنان، ويسجل كنجاح دبلوماسي، خاصة أن فرنسا دفعت باتجاهه وحظي بغطاء أممي، ليأتي في نهاية المطاف لصالح الدولة اللبنانية.
0 تعليق