«الغارديان»
في صمت تام، يتنفس البشر يومياً آلاف الجزيئات التي لا ترى بالعين المجردة، لكنها قادرة على التسلل إلى أعماق الرئتين، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك. إذ كشفت دراسة علمية جديدة، أن الهواء داخل المنازل والسيارات يحمل تركيزات عالية من المواد البلاستيكية الدقيقة، مما يشكل خطراً صحياً لم يكن يحظى بالاهتمام الكافي حتى وقت قريب.
الدراسة، التي أجراها فريق من الباحثين في جامعة تولوز الفرنسية، توصلت إلى أن الإنسان يستنشق 68 ألف جزيء بلاستيكي دقيق في اليوم الواحد. هذه الجزيئات، التي لا يتجاوز حجمها عشرة ميكرومترات، تستطيع الانتقال عبر الهواء بسهولة وتبقى عالقة فيه لفترات طويلة، ما يمنحها الفرصة للوصول إلى أعماق الرئتين وربما إلى مجرى الدم.
الجديد في هذا البحث ليس فقط حجم الجسيمات أو قدرتها على البقاء في الهواء، بل أيضاً الكمية الهائلة التي يتعرض لها الإنسان في بيئته اليومية. فقد أظهرت القياسات أن تركيز هذه الجزيئات في الأماكن المغلقة، مثل المنازل والسيارات، أعلى بكثير مما هو عليه في الهواء الطلق. ويعزى ذلك إلى تراكم مصادر التلوث في مساحة صغيرة نسبياً، وافتقار هذه الأماكن إلى تهوية جيدة.
وفي حين أن مصادر هذه الجزيئات متعددة، إلا أن الدراسة تشير إلى أن أغلبها ينشأ من تحلل المنتجات البلاستيكية المستخدمة داخل المنازل، من الملابس والسجاد إلى الأثاث وأدوات المطبخ. كما أن كل حركة داخل هذه البيئة، كفتح نافذة أو حتى الجلوس على أريكة، يمكن أن يؤدي إلى إثارة الجزيئات وجعلها عالقة في الهواء من جديد.
أما في السيارات، فقد كانت الصورة أكثر إثارة للقلق. فقد وجد أن تركيز البلاستيك الدقيق في هواء السيارات يزيد بأربعة أضعاف على ما هو عليه في الشقق، وهو ما يربطه الباحثون بصغر مساحة المقصورة وكثافة المواد البلاستيكية فيها، مثل لوحة القيادة والمقابض وعجلة القيادة، فضلاً عن التهوية المحدودة.
وما يجعل الأمر أكثر خطورة هو أن هذه الجزيئات لا تقتصر على مجرد كونها جزيئات خاملة، بل تحتوي على آلاف المواد الكيميائية، بعضها معروف بتأثيراته الصحية الضارة، ويمكنها إثارة التهابات مزمنة في الجهاز التنفسي، وقد تكون مرتبطة بتطور أمراض خطرة كسرطان الرئة.
يعتقد أن الطعام والماء هما السبيلان الأساسيان لتعرض الإنسان للمواد البلاستيكية الدقيقة، إلا أن هذه الدراسة تلفت الانتباه إلى خطر ثالث ومهمل: الهواء الذي نتنفسه. وخصوصاً أن البشر يقضون ما يقارب 90% من وقتهم في الأماكن المغلقة، ما يضاعف من فرص تعرضهم لهذا التلوث غير المرئي.
0 تعليق