هل تتسبب إسرائيل في إنعاش العلاقات السورية الإيرانية؟ - هرم مصر

الكورة السعودية 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع بتصريحات لافتة خلال لقائه مجموعة من الصحفيين العرب في دمشق، يوم الأربعاء 27 أغسطس/آب، حيث تحدث عن "التنازل عن الجرح الذي سببه حزب الله اللبناني" والاكتفاء بخطوة إخراجه من سوريا، من دون المضي نحو استهداف معاقل الحزب، رغم ما يحظى به ذلك من تأييد إقليمي ودولي.

هذه التصريحات، وإن وردت في سياق تأكيد الشرع على عدم الرغبة بالتدخل في الشأن اللبناني، لكنها تحمل رسائل لأكثر من اتجاه بما في ذلك إسرائيل، كونها صدرت بعد قرابة أسبوع من انعقاد جولة مفاوضات جديدة بين تل أبيب ودمشق في العاصمة الفرنسية باريس، وما تبعها من تسريبات تشير إلى عدم حصول توافق نهائي.

DAMASCUS, SYRIA - FEBRUARY 25: Syrian President Ahmad al-Sharaa attends the closing ceremony of Syrian National Dialogue Conference at the Presidential Palace in Damascus, Syria on February 25, 2025. the Syrian National Dialogue Conference, attends the National Dialogue Conference on February 25, 2025 in Damascus, Syria. A national dialogue conference intended to help chart Syria's political future after the fall of former President Bashar Assad began at the Presidential Palace in Damascus on Monday. (Photo by Ali Haj Suleiman/Getty Images)
تصريحات الشرع وردت في سياق تأكيده على عدم الرغبة بالتدخل في الشأن اللبناني (غيتي)

مطالب إسرائيلية تعجيزية وتصعيد ميداني مستمر

بعد جولة المفاوضات الأخيرة مع سوريا، تحدثت مصادر بوزارة الدفاع الإسرائيلية لوسائل إعلام عبرية عن المطالب من دمشق، وأبرزها نزع السلاح من جنوب سوريا، والبقاء في قمة جبل الشيخ التي سيطرت عليها إسرائيل بعيد سقوط نظام الأسد، وأشارت التصريحات الإسرائيلية إلى أن عدم موافقة دمشق على هذه المطالب هو من يحول دون التوصل إلى تفاهمات.

وسبق هذه التصريحات تسريب وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل إضافية حول عملية التفاوض مع سوريا، وأشارت التسريبات إلى أن تل أبيب تريد أن يتضمن الاتفاق الأمني الجديد عدم امتلاك سوريا لمنظومات صواريخ أو دفاع جوي.

وفي 27 أغسطس/آب عاد التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد سوريا، حيث نفذت وحدات عسكرية إسرائيلية عملية إنزال جوي على جبل المانع بريف دمشق، بالإضافة إلى قصف مواقع للجيش السوري في منطقة الكسوة مما أدى لسقوط قتلى وجرحى.

وسبق التصعيد الإسرائيلي بيومين تصريحات وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التي أدلى بها خلال مشاركته في الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي، حيث هاجم إسرائيل بسبب ارتكابها جرائم في فلسطين، وأدان ما وصفه بـ"الحرب الإجرامية" في غزة.

انعكاسات على العلاقة بين دمشق وحزب الله

أظهر حزب الله اللبناني نية بالاستثمار في التصعيد الإسرائيلي المتكرر ضد الحكومة السورية الجديدة قبل عدة أشهر، فقد أكد الأمين العام الجديد للحزب نعيم القاسم، في مارس/ آذار الماضي، تمنيه الاستقرار في سوريا من أجل بناء دولة قوية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية، نافيا رغبة الحزب بالتدخل في الشأن السوري، ومشيرا إلى ضرورة وضع حد للتوسع الإسرائيلي في المنطقة.

إعلان

ومنذ الإطاحة بنظام الأسد، وتشكيل حكومة ومؤسستي الجيش والأمن من الفصائل التي أطاحت بالأسد، يتم الإعلان بشكل متكرر عن ضبط شحنات أسلحة على الحدود السورية في طريقها إلى لبنان، مما يعكس التزاما من الحكومة السورية الجديدة بمنع استخدام الأراضي السورية معبرا لتمرير السلاح إلى الحزب.

وهذا السلوك حظي بشكل مستمر بإشادة من مسؤولين في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن لم يرتق الموقف الأميركي لدرجة منع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، التي تستهدف في الغالب مواقع للجيش السوري الجديد.

في ضوء ما سبق، من غير المستبعد أن تكون تصريحات الرئيس السوري حول "التنازل عن جرح حزب الله" هدفها توجيه رسائل للإدارة الأميركية وإسرائيل بأن دمشق قد تراجع سياساتها تجاه الحزب في ظل استمرار الخطر الإسرائيلي، خاصة أن تصريحات الشرع أتت بعد قرار حصر السلاح في لبنان بيد الدولة.

A torn poster showing former Syrian President Bashar al-Assad meeting with Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei, in the Sayyida Zaynab district in Damascus, Syria, December 14, 2024. REUTERS/Amr Alfiky
ملصق ممزق يظهر الأسد مع المرشد الإيراني خامنئي في حي السيدة زينب بدمشق بعد أيام من سقوط النظام (رويترز)

مصالح أمنية واقتصادية تجمع سوريا والعراق

أبدت كل من بغداد ودمشق رغبة بالتقارب بعد سقوط الأسد، رغم الدعم الذي قدمته الفصائل العراقية شبه الرسمية للأسد على مدار سنوات سابقة، وتمثلت هذه الرغبة بلقاءات متتالية بين مسؤولين عراقيين وسوريين، وزيارات متكررة لرئيس المخابرات العراقي حمد الشطري إلى دمشق.

وناقشت الزيارات واللقاءات قضايا أمنية أهمها أمن وسلامة الحدود بين الجانبين، والتهديدات المشتركة التي يشكلها تنظيم الدولة على سوريا والعراق، وكان أبرزها الزيارة التي أجراها وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى العاصمة العراقية بغداد في أغسطس/آب الجاري، التي شهدت توافقا على إعادة تفعيل خط أنابيب من محافظة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري بعد تأهيله، بالإضافة إلى نقاش الموارد المائية.

تفرض الاعتبارات الأمنية على الجانبين العراقي والسوري التنسيق، في ظل الحديث عن توجه الولايات المتحدة للانسحاب من سوريا والعراق بشكل تدريجي، حيث من المتوقع أن يترك هذا الانسحاب فراغا أمنيا يمكن أن يستغله تنظيم الدولة، خصوصا في ظل الشكوك التي تحوم حول تعمد قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إطلاق سراح قيادات في التنظيم محتجزين في سجون الحسكة من أجل خلط الأوراق على دمشق.

ويبدو أن العراق يفضل تفعيل خط كركوك بانياس النفطي بدلا من استمرار التصدير من كركوك باتجاه ميناء جيهان التركي لإحداث التوازن أمام إقليم كردستان من جهة، والجانب التركي من جهة أخرى، كما يطمح العراق لتنويع منافذ تصدير النفط وإيجاد منفذ جديد باتجاه البحر المتوسط، وتقليل تكلفته، وبالتالي العمل تدريجيا على رفع قدرة الإنتاج.

ومن المستبعد أن تقدم الحكومة العراقية على إجراء تنسيق أمني أو مباحثات اقتصادية دون موافقة قوى الإطار التنسيقي التي تعتبر بمثابة التحالف الحاكم، وهذه القوى لديها تحالف وثيق مع إيران، مما يعطي خطوات التقارب الأولية بين دمشق وبغداد أيضا أبعادا سياسية في ظل عدم إخفاء إيران رغبتها بإعادة علاقتها مع سوريا.

رسائل إيرانية إلى دمشق

في منتصف يوليو/تموز الماضي، نددت إيران بشكل رسمي بالهجمات التي نفذتها إسرائيل على العاصمة السورية دمشق، واستهدفت مقر رئاسة الأركان، بالإضافة إلى قصف قوات حكومية دخلت محافظة السويداء للسيطرة عليها.

إعلان

مرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رسائل لدمشق بعد الهجمات الإسرائيلية، حيث أكد أن على دول المنطقة أن تتحرك لوضع حد للعدوان الإسرائيلي "المجنون"، مؤكدا دعم بلاده لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، والاستعداد للوقوف إلى جانب الشعب السوري.

ومن الواضح أن طهران تعول على سياسة إسرائيل التي باتت تهدد دول المنطقة بما فيها سوريا من أجل استعادة شيء من حضورها وتأثيرها الذي فقدت منه الكثير إثر سقوط نظام الأسد.

وإثر الهجوم الإسرائيلي على دمشق الذي نفذته بذريعة دعم الدروز، تناولت صحف إيرانية محسوبة على الحرس الثوري الإيراني الأحداث في سوريا، واعتبرت أن تصعيد إسرائيل ضد سوريا هدفه خلق بؤر منفصلة بغض النظر عن الجهة التي تمسك بالحكومة المركزية، كما اعتبرت التحليلات التي صدرت عن هذه الصحف وأبرزها صحيفة "جوان" أن هدف إسرائيل هو "تقسيم المجتمعات الإسلامية وتدميرها".

على الأرجح، فإن إيران لا تستبعد موجة تصعيد جديدة ضدها في ظل عدم التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي مع الولايات المتحدة والغرب، ومن ثم قد تحاول استعادة الحضور في ساحات مؤثرة ضمن صراعها طويل الأمد مع إسرائيل، حيث افتقدت نفوذها في سوريا بشكل واضح خلال الهجمات الإسرائيلية في يونيو/حزيران الماضي عليها.

أول استعراض عسكري لحزب الله في سوريا
أول استعراض عسكري لحزب الله في سوريا بعد انخراطه في القتال إلى جانب قوات النظام السابق (الجزيرة)

معوقات عودة العلاقات بين سوريا ومحور إيران

رغم كل المؤشرات التي سبقت الإشارة إليها، فإن هناك معوقات تحول دون عودة العلاقات إلى شكل طبيعي بين سوريا ومحور إيران، أبرزها الحرص على عدم استفزاز الحكومة السورية لإدارة ترامب، التي تتبنى نهجا متشددا ضد النفوذ الإيراني، وتعمل على تقويضه في المنطقة عموما وليس في سوريا فقط.

وتركز دمشق على استكمال مسار إلغاء كل العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا سابقا، والتي بقي منها تلك التي تحتاج إلى تشريع في مجلس النواب من أجل إبطالها على غرار عقوبات قانون قيصر.

من جهة أخرى، تحاول الحكومة السورية أيضا عدم استفزاز إسرائيل إلى الحد الأقصى، بالإضافة إلى أن المزاج الشعبي من غير المتوقع أن يتقبل خطوة عودة العلاقة مع إيران.

السيناريو المتوقع

من المتوقع أن تحرص سوريا على إبداء التوازن في سياساتها الخارجية بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها، وطبيعة التهديدات التي تعاني منها بعد سقوط الأسد، إذ قفزت إسرائيل إلى رأس قائمة التهديدات بسلوكها العدواني تجاه دمشق رغم كل التطمينات التي عملت الحكومة السورية على تقديمها والتأكيد على أن سوريا لن تشكل تهديدا لأي جهة.

كما أن إسرائيل جنحت إلى التدخل بشكل سافر في الملفات الداخلية السورية، فيما يظهر أنه تحريض لبعض المكونات وفي مقدمتهم الدروز على المطالبة بحكم ذاتي.

وتتموضع سوريا ضمن محور إقليمي لديه هو الآخر قلق من سياسات إسرائيل العدوانية في المنطقة، والحديث هنا عن تركيا والسعودية وقطر والأردن، وهذه الدول سبق أن أدانت الهجوم الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران الماضي، رغم أنها عانت في السابق من السياسات الإيرانية.

ومما يعزز الاعتقاد بأن سوريا ستعمل على الحفاظ على التوازن وإبقاء الخيارات مفتوحة مستقبلا هو تجنب الحكومة السورية الجديدة الخطاب العدائي والتصعيدي ضد إيران في ظل تصاعد الخطر الإسرائيلي.

ومن المحتمل أن تجري دمشق مراجعة لخياراتها إذا ما أدركت أن الولايات المتحدة لن تمارس ضغوطات كافية على إسرائيل لوقف هجماتها العدائية على سوريا، والتي باتت تهدد بالفعل وحدة واستقرار البلاد، فمن المحتمل أن واشنطن تريد من الحكومة السورية الحالية فقط استمرار قطع طريق إيران باتجاه لبنان لحين استكمال تقويض نفوذ إيران في المنطقة، وبالتالي الالتزام فقط بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

إعلان

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق