البيت الأبيض وخطط ما بعد حرب غزة.. اجتماع بلا نتائج نهائية - هرم مصر

سكاي نيوز 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في مكان آخر، يخرج وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بخطاب قاسٍ، يدعو فيه إلى خنق القطاع حتى آخر نفس، قائلاً إن من لا يُقتل بالرصاص سيموت جوعاً.

مشهدان متناقضان يكشفان حجم التباين في الرؤى بشأن مستقبل غزة: هل تذهب الأمور نحو خطة مدعومة أميركياً لتهيئة بيئة استثمارية وإطلاق مسار إعادة الإعمار، أم أن الضغوط الإسرائيلية ستبقى هي المسيطرة، فتدفع غزة إلى الحافة عبر الحصار والدمار والاقتطاع التدريجي من أرضها؟.

هذا السؤال يظل معلقاً، بينما تترنح غزة تحت القصف، ويعيش سكانها على وقع حصار خانق وتهديدات مفتوحة.

وفي هذا السياق، تبرز أربعة محاور رئيسية: مداولات البيت الأبيض، التصريحات الإسرائيلية الرسمية والمتشددة، التقديرات الأمنية الإسرائيلية، وأخيراً الموقف الفلسطيني الذي يعكس حجم الكارثة الإنسانية.

البيت الأبيض وخطط ما بعد الحرب.. اجتماع بلا نتائج نهائية

بحسب ما نقل موقع "أكسيوس" الأميركي عن مصادر مطلعة، احتضن البيت الأبيض اجتماعاً وُصف بالمثير للجدل، جمع الرئيس ترامب برئيس الوزراء البريطاني الأسبق بلير وصهره جاريد كوشنر، ثم انضم لاحقاً الوزير الإسرائيلي رون ديرمر. الهدف: مناقشة مستقبل غزة بعد الحرب.

المصادر أكدت أن الاجتماع لم يسفر عن قرارات حاسمة، لكنه أتاح طرح مجموعة من الأفكار الأولية. أبرز ما نوقش هو هوية الجهة التي يمكن أن تحكم غزة بعد إقصاء حركة حماس، وكيف يمكن خلق بيئة استثمارية تسمح ببدء عملية إعادة الإعمار بشكل سريع.

ترامب، وفق التسريبات، لم يخفِ دعمه لمواصلة تطوير الخطة، واعتبرها أداة أساسية يجب أن تكون جاهزة فور توقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

البيت الأبيض ـ كما أشارت التقارير ـ ينظر إلى هذه الخطة كجزء من أدوات إدارة الصراع، وليست مجرد ورقة إنسانية أو اقتصادية، بل مشروعاً سياسياً يتجاوز الحرب الراهنة.

ومع ذلك، ظل الاجتماع في دائرة الطروحات، إذ لم يتحدد بعد الطرف الفلسطيني الذي يمكن أن يتسلم الحكم في غزة، ولا الآلية التي تضمن توافقا دولياً وإقليمياً على إعادة الإعمار.

وهذا الغموض جعل الخطة في مراحلها الأولى، بحاجة إلى تفاصيل إضافية وزمن أطول قبل أن تتحول إلى رؤية قابلة للتنفيذ.

المواقف الإسرائيلية الرسمية بين الرفض والضغط

في الوقت الذي بدا فيه ترامب وكوشنر وبلير منشغلين بملامح إعادة الإعمار، كان الصوت الإسرائيلي الرسمي يسلك مساراً مختلفاً.

فرغم أن الحكومة الإسرائيلية تقول إنها لا تسعى لاحتلال دائم للقطاع، ولا لتهجير الفلسطينيين بشكل كامل، فإنها ترفض بشكل قاطع بقاء حماس في الحكم.

التوجه العام في المؤسسة الإسرائيلية يتمحور حول البحث عن بديل سياسي لحماس، أو على الأقل فرض معادلة عسكرية تجعلها عاجزة عن إدارة القطاع.

ومع ذلك، توجد أصوات داخل الحكومة تدعو إلى خيارات أكثر حدة، مثل الاحتلال المباشر أو التهجير القسري، وهي أصوات تجد صدى واسعاً لدى وزراء من التيار اليميني المتشدد.

من هنا، يتضح أن الموقف الإسرائيلي الرسمي ليس موحدا بالكامل، بل يعيش حالة من التردد بين الرغبة في الحسم العسكري والبحث عن مخرج سياسي يضمن أمن إسرائيل.

القراءة الأمنية الإسرائيلية.. السيطرة العسكرية كأساس

قدّم ألون أفيتار، المستشار السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية رؤية أقرب إلى ما يجري على الأرض.

أفيتار اعتبر أن إسرائيل في بداية "مرحلة أولى كبيرة" من خطتها العسكرية، التي تهدف إلى السيطرة الكاملة على مدينة غزة. الهدف المركزي، بحسب قوله، هو التمييز بين المدنيين ومقاتلي حماس، وصولاً إلى "التدمير الكامل للنظام العسكري الحمساوي".

أفيتار شدد على أن ما يجري ليس احتلالا دائما، بل سيطرة عسكرية مؤقتة لتحقيق أهداف أمنية. ومع ذلك، أوضح أن الخطة تتضمن شقين: عسكري وإنساني.

الشق العسكري يقوم على ملاحقة مقاتلي حماس وتدمير بنيتها التحتية، أما الشق الإنساني فيتمثل في نقل المدنيين من مدينة غزة إلى الجنوب، حيث يتم إنشاء مخيمات ومرافق ميدانية لاستيعابهم.

لكنه أقر بأن هذه العملية ليست سهلة، وأنها ستواجه صعوبات كبيرة، سواء على صعيد التنفيذ أو القبول الدولي. ومع ذلك، فإن إسرائيل ـ وفق تقديره ـ ترى أن الطريق الوحيد للحل النهائي يمر عبر "استسلام حماس وتسليم الأسرى دفعة واحدة وبدون شروط".

أفيتار أضاف أن إسرائيل تسمح بدخول المساعدات الإنسانية، لكن المشكلة تكمن في توزيعها داخل القطاع، متهماً منظمات دولية بالتعاون مع حماس.

ورغم ذلك، أكد أن السياسة الإسرائيلية تستهدف الحركة وليس المدنيين، حتى وإن كانت الوقائع الميدانية تعكس معاناة إنسانية واسعة.

من جهة أخرى، قدم أستاذ العلوم السياسية حسام الدجني رؤية مغايرة تماما، فقد شدد على أن إسرائيل لا تستطيع التمييز بين المدنيين والمقاتلين في قطاع صغير تبلغ مساحته 360 كيلومتراً مربعاً يقطنه أكثر من مليوني نسمة.

الدجني أوضح أن المقاومة ليست جيشا نظاميا، بل هي جزء من النسيج المجتمعي، ما يجعل فكرة "الفصل" بين السكان والمقاتلين مجرد وهم.

وأكد أن إسرائيل تستهدف مدينة غزة تحديدا بسبب رمزيتها التاريخية والديمغرافية، وليس فقط لأنها مركز ثقل لحماس.

في تحليله، اعتبر أن الحديث عن "مناطق آمنة" غير واقعي، مشيراً إلى أن من نزحوا إلى الجنوب تعرضوا للقصف حتى في المستشفيات، مثل مستشفى ناصر والشفاء. وخلص إلى أن ما يجري هو "إبادة جماعية وتهجير قسري"، وليس مجرد عملية عسكرية ضد حماس.

ربط الدجني خلال حديثه ما يحدث في غزة بمشروع إسرائيلي أوسع يتجاوز الحركة، مشيراً إلى أن السياسات نفسها تتكرر في الضفة الغربية وجنوب سوريا ولبنان، رغم غياب "طوفان الأقصى" هناك.

ومن هنا، اعتبر أن المطلوب من المجتمع الدولي ليس فقط وقف الحرب، بل أيضاً إنقاذ إسرائيل من نفسها ومن قادة متشددين مثل سموتريتش وبن غفير ونتنياهو.

كما فنّد اتهامات إسرائيل لحماس بسرقة المساعدات، مؤكداً أن تقارير وكالات دولية كبرى مثل الوكالة الأميركية للتنمية والأونروا لم تجد أي دليل على ذلك. واقترح تشكيل لجنة دولية مشتركة تضم الفلسطينيين والإسرائيليين للتحقق من حقيقة الوضع الإنساني.

بين الخطة الدولية والمشروع الإسرائيلي – أي مسار ينتصر؟

يتضح من مجمل المعطيات أن مستقبل غزة عالق بين مسارين متناقضين:

المسار الأول: خطة البيت الأبيض، التي يسعى ترامب وكوشنر وبلير إلى بلورتها، بهدف إيجاد بديل لحماس وتهيئة بيئة استثمارية تفتح الباب أمام إعادة الإعمار.

المسار الثاني: الموقف الإسرائيلي المتشدد، الذي يتبناه وزراء مثل سموتريتش، ويقوم على الضغط الأقصى عبر الحصار والضم التدريجي، مع رفض أي وجود لحماس أو أي منظمة مسلحة.

في الوسط، تقف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ممثلة في أفيتار، توازن بين الرغبة في السيطرة العسكرية وبين الحاجة إلى خطة إنسانية ولو شكلية.

وعلى الجانب الآخر، يصر الفلسطينيون، عبر أصوات مثل حسام الدجني، على أن الحل لا يمكن أن ينجح إلا إذا عالج جذور المشكلة، أي الاحتلال، ومنح الفلسطينيين حقهم في دولة مستقلة.

بين اجتماعات البيت الأبيض وتصريحات الوزراء الإسرائيليين، بين الطروحات الأمنية والمواقف الفلسطينية، تبقى غزة عالقة في فراغ قاتل.
الخطة الأمريكية لم تكتمل بعد، والموقف الإسرائيلي متشدد، والواقع الإنساني يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وفي ظل هذا التناقض، يصبح السؤال: هل سينجح مسار "الخطة الدولية" المدعومة أمريكياً، أم سيتغلب خطاب "الخنق" الإسرائيلي الذي يدعو إلى الضم والتجويع؟

حتى الآن، لا توجد إجابة واضحة. لكن ما هو مؤكد أن غزة تدفع الثمن الأكبر، وأن المدنيين الفلسطينيين يظلون الضحية الأولى لصراع تتقاطع فيه الأجندات الدولية والإقليمية، فيما يغيب الأفق السياسي الذي يمكن أن يفتح باب الأمل لمستقبل مختلف.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق