تشهد الساحة الأوروبية تحولات متسارعة مع اندفاع الحكومات نحو رفع موازناتها العسكرية في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا وما تفرضه من تهديدات أمنية متصاعدة، ويرافق هذا الاندفاع جدل واسع حول ما إذا كانت مليارات اليوروهات التي تُضخ في صناعة السلاح ستشكل طوق نجاة لاقتصادات تعاني من تباطؤ النمو وضغوط مالية متراكمة.
تطرح هذه الخطوات معادلة معقدة بين متطلبات الأمن القومي وضرورات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، إذ ترى بعض الحكومات أن التوسع في الإنفاق الدفاعي يمثل استثمارًا طويل الأمد قادراً على تحريك عجلة الصناعة وخلق فرص عمل جديدة، فيما يحذر آخرون من كلفة مالية قد تأتي على حساب التعليم والبرامج الاجتماعية.
يتزامن هذا النقاش مع بعد سياسي لا يقل أهمية، في وقت تحاول فيه العواصم الأوروبية إقناع الرأي العام بأن "التسلح" يمكن أن يكون أيضاً وسيلة للنهوض الاقتصادي، بينما تبرز في المقابل أسئلة صعبة حول من المستفيد الأكبر من هذا التوجه؛ هل هي الاقتصادات الأوروبية نفسها، أم شركات الصناعات الدفاعية الأميركية التي لا تزال تهيمن على صفقات التسلح الكبرى؟
يشير تقرير لـ "نيويورك تايمز" إلى أن الحكومات في جميع أنحاء أوروبا، مدفوعةً بالحرب في أوكرانيا "تأمل أن تُسهم زيادة الإنفاق العسكري بمئات المليارات من الدولارات في إنعاش اقتصاداتها المتعثرة".. ويضيف التقرير:
تعهد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر باغتنام ما سماه "عائد الدفاع"، وهو استثمار "نادرٌ كل جيل" قادر على خلق فرص عمل جديدة و"نموٍّ هائل في القدرات الصناعية".
في ألمانيا، تخطط شركة راينميتال لتصنيع الأسلحة لتوظيف 8000 عامل جديد خلال العامين المقبلين، مما يُغذي التكهنات بأن توسع صناعة الدفاع قد يُسهم في تعويض فقدان الوظائف في قطاع السيارات المُتعثر في البلاد.
وفي إيطاليا، انضمت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني هذا الشهر إلى برنامج الاتحاد الأوروبي لتمويل التعزيزات العسكرية، والتقت بمُصنّعي الأسلحة لتشجيعهم على الاستثمار في مشاريع ستعود بالنفع أيضًا على القطاع المدني.
وكما قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية: "إن القوة الاقتصادية وخطة أوروبا لإعادة التسليح هما وجهان لعملة واحدة".
ويشير التقرير إلى أن الوعد بالفوائد الاقتصادية هو أيضا وسيلة لمواجهة المعارضة السياسية من الأحزاب اليسارية والشعبوية لزيادة الإنفاق على التسلح.
ويُقدّر الاقتصاديون عمومًا أن كل دولار يُنفق على الجيش سيزيد الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 50 سنتًا. وتميل عوائد الإنفاق على التعليم أو البنية التحتية إلى أن تكون أعلى بكثير، مما يُحقق نموًا يفوق الاستثمار الأولي.
الفرص والتحديات
يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
"أوروبا بدأت بالفعل في رفع إنفاقها الدفاعي بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، مع توجه واضح نحو استثمار موارد أكبر في تطوير القدرات العسكرية لمواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا". ارتفع الإنفاق الدفاعي في بعض الدول الأوروبية بمعدلات تصل إلى عشرات المليارات من اليوروهات، مع خطط مستقبلية لزيادته بشكل مطرد بحلول عام 2028 وما بعدها. هذا الرفع لا يقتصر فقط على مستوى الميزانيات، بل يشمل أيضاً أدوات تمويل خاصة تسمح بتجاوز بعض القيود المالية التقليدية، ما يجعل التمويل أكثر سهولة وفاعلية.ويضيف: اقتصاديًا، يمثل الإنفاق الدفاعي حافزاً للنشاط الاقتصادي عبر تنشيط قطاعات صناعية عديدة مثل تصنيع الأسلحة والتكنولوجيا واللوجستيات، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة في المصانع وخطوط الإنتاج، وهو ما يترجم إلى نمو اقتصادي طفيف وملموس وسط بيئة عالمية صعبة.
لكن في المقابل، هذا الإنفاق الكبير "يولد ضغوطًا عميقة على ميزانيات الدول الأوروبية، إذ يتم تمويل الجزء الأكبر منه عبر الدين العام، ما يرفع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ويزيد من المخاطر المالية، ويضع ضغوطًا مستقبلية على السياسات المالية، بما في ذلك احتمالية رفع الضرائب لسداد الديون"، بحسب سعيد.
كما قد يؤدي إلى تضييق الإنفاق الخاص وارتفاع مؤقت في الأسعار، رغم محاولات البنوك المركزية السيطرة على التضخم بتشديد السياسة النقدية.
ومن الناحية الصناعية، ورغم التوقعات بزيادة هائلة في الطلب، تواجه أوروبا تحديات في قدرة صناعاتها الدفاعية على تلبية الاحتياجات، حيث يعتمد جزء كبير من المعدات والموارد الدفاعية على الاستيراد من الخارج، ما يقلل من الأثر الاقتصادي المحلي ويحول جزءًا من الأموال إلى خارج القارة.
ويوضح خبير أسواق المال أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي المرتفع قد يدعم النمو الاقتصادي في الأجل القصير والمتوسط من خلال تحفيز الصناعات الدفاعية وخلق وظائف، لكنه لا يمثل حلاً لأزمات الاقتصاد المتعثر. فالتأثير الحالي محدود لكنه إيجابي، مع وجود مخاطر مالية تستوجب مراقبة دقيقة".
أسهم الدفاع
في سياق متصل، يشير تقرير لموقع "بيزنس إنسايدر" إلى ارتفاع أسهم الدفاع هذا العام مع قيام الحكومات الأوروبية بزيادة ميزانياتها العسكرية، وقد تؤدي هذه الحملة من الإنفاق إلى تحقيق مكاسب غير متوقعة في ركن آخر من السوق.
وكتب محللون في غولدمان ساكس في مذكرة الأسبوع الماضي: "مع تركيز الأسواق على المحادثات بين روسيا وأوكرانيا ومع تزايد الإنفاق الدفاعي الأوروبي، فإننا نتوقع زيادة كبيرة في الطلب على المعادن الصناعية من ارتفاع الإنفاق الدفاعي في الاتحاد الأوروبي".
تشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن قطاع الدفاع يمثل بالفعل نحو 3 بالمئة من الطلب العالمي على المعادن الصناعية، ويتراوح ذلك من نحو 2 بالمئة من الطلب العالمي على الصلب إلى 7 بالمئة من الطلب على النيكل.
ارتفع مؤشر MSCI الأوروبي لقطاع الفضاء والدفاع بنسبة 72 بالمئة هذا العام. في الوقت نفسه، ارتفع مؤشر S&P لقطاع الفضاء والدفاع، الذي يركز على الولايات المتحدة، بنسبة 31 بالمئة خلال الفترة نفسها.
وجاء ارتفاع أسهم الدفاع في أعقاب تعهدات الاتحاد الأوروبي بتعزيز الميزانيات العسكرية وسط مخاوف أمنية متزايدة - والضغوط المتجددة من واشنطن على حلفاء الناتو لإنفاق المزيد.
ويتوقع محللو غولدمان ساكس أن يرتفع الإنفاق العسكري في منطقة اليورو من 1.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 إلى 2.7 بالمئة بحلول عام 2027، وهو ما يضيف نحو 167 مليار يورو، أو 196 مليار دولار، إلى الميزانيات السنوية.
وتشير تقديرات المؤسسة إلى أن إعادة تسليح أوروبا سوف ترفع الطلب الإجمالي في المنطقة على المعادن الصناعية بنسبة 6 بالمئة بحلول عام 2027 ــ وهي قفزة "مذهلة" نظراً لأن الدفاع لم يشكل سوى حوالي 2 بالمئة من استخدام المعادن في أوروبا في عام 2023.
رفع النفقات
يقول خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إن اتجاه دول الاتحاد الأوروبي لرفع نفقاتها العسكرية يأتي في إطار التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي، لكن الأمر ما زال بعيداً عن التنفيذ الفعلي، إذ لم تتمكن غالبية الدول حتى الآن من بلوغ نسبة 2 بالمئة السابقة.
ويوضح أن هذا الاتجاه لزيادة الإنفاق يأتي استجابة لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكن الاستفادة الحقيقية منه لا تعود إلى الاقتصادات الأوروبية، بل إلى الصناعات العسكرية الأميركية، وذلك بعد الاتفاق بين رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وترامب على صفقات تسليح (ضمن الاتفاق التجاري المبرم بين الجانبين أخيراً).
ويشير إلى أن الحرب في أوكرانيا دفعت بعض الدول إلى رفع نفقاتها العسكرية بشكل انفرادي، حيث خصصت ألمانيا على سبيل المثال 100 مليار يورو لشراء أسلحة ومعدات معظمها أميركي الصنع مثل طائرات F-35، وهو ما يعني أن الاقتصاد الأميركي يظل المستفيد الأكبر. كما أقدمت دول أخرى مثل بلجيكا على شراء الطائرات نفسها، إلى جانب دول أوروبية أخرى.
ويضيف أن هناك بالفعل محاولات أوروبية لتعزيز صناعاتها العسكرية المحلية، إلا أنه لا يتوقع أن تسفر هذه الجهود عن نتائج جوهرية قادرة على دعم الاقتصاد الأوروبي، منبهاً إلى أن ترامب كان قد طالب بأن تصل النفقات العسكرية إلى 5 بالمئة من الناتج.
ويختتم خبير الشؤون الأوروبية حديثه قائلاً: "يبقى التساؤل الأساسي حول مدى قدرة الدول الأوروبية على الالتزام بهذه المخصصات في ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة، لأن زيادة النفقات العسكرية ستأتي حتماً على حساب الإنفاق الاجتماعي والتقاعدي، وهو ما قد ينعكس سلباً على رفاهية الشعوب الأوروبية".
0 تعليق