الهاربون من قوارب النجاة - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الهاربون من قوارب النجاة - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 05:04 مساءً

محمد جابر

غالباً ما ينسى الحالمون أن أهم ما في الرحلة طريقها، وغالباً ما يغيب عن بال الرومانسيين أمثالي أن يسألوا عن عمق البحر قبل أن يشرعوا في بناء سفنهم. لكن الواقع لا يلبث أن يخلع عنه رداءه الأبوي الحنون، ويداهم بيوت شعرهم ويكسر أوزانها. كان ذلك في أواسط العام 2021، في قلب الأزمة المالية الخانقة التي عصفت بلبنان، وجعلتني أعيد جميع حساباتي التي لطالما بنيتها على أساس مسلمات غارقة في اليقين المزيف. بدأت الأسئلة الوجودية البسيطة بمثابة طلقات تحذيرية: هل للمعاناة غاية، أم أنها مجرد نتيجة حتمية لنظام كوني قائم على التضحية بالمهزومين؟ أساساً لماذا هُزمنا؟ متى سينتهي كل هذا؟ وحين ينتهي، أو على الأقل حين نعتاد عليه، هل سنكون من الناجين؟

داهمتني تلك الأسئلة دفعة واحدة في لحظة أبعد ما يكون عن الشاعرية؛ كنت وقتها جالساً خلف مقود السيارة منتظراً دوري لتعبئة مادة البنزين قرب إحدى محطات المحروقات في منطقة النبطية جنوب لبنان، حين كان البنزين امتيازاً لمن يسمون في لبنان "الحرابيق". أما أنا، فلم أكن يوماً "حربوقاً"، ورحلتي لتعليم طالبتي ذات الأربعة عشر ربيعاً لم يكتب لها النجاح، بل وجدتني فجأة أقف في طابور طويل، محاولاً إقناع السماء أن قاربي لا يزال قادراً على الإبحار، ولا ينقصه سوى قليل من الماء.

من بين جميع تلك التساؤلات التي عكرت صفو انتظاري، لم يعلق في ذهني سوى الجزء الأخير المتعلق بالنجاة. عدت يومها إلى البيت محبطاً بعد إخفاقي في تعبئة البنزين، جلست في غرفتي وحدي أفكر بمفهوم النجاة، وشعرت لأول مرة في حياتي أني لم أعد أرغب بالنجاة. لم يكن ذلك استسلاماً كما يبدو من الوهلة الأولى، بل العكس تماماً؛ كان إعلان انقلاب على دائرة جيلية مفرغة، حكم بها التاريخ علينا حكماً غيابياً قبل حتى أن نولد. النجاة مغرية لأمثالنا، لدرجة أني لم أعد قادراً على عيش حياة عادية، بل سلسلة لا نهائية من عمليات الهروب. كيف الخلاص إذاً؟ لم تكن الإجابة تلقائية، وقد خطرت في ذهني للمرة الأولى في الليلة المشؤومة نفسها، حين كنت أقرأ رواية "الليالي البيضاء" للكاتب الروسي دوستويفسكي. الفرق بين النجاة والحياة هو بكل بساطة القدرة على تذوق الفن دون الشعور بالذنب. نحن الذين قضينا حيواتنا ننتقل من قارب نجاة إلى آخر، لم يتسنَّ لنا الوقت لمشاهدة غروب الشمس، ولا مراقبة نجمة تصلي حباً بالله لا خوفاً من الانطفاء.

الفن بحسب الرسام الهولندي موندريان هو تعويض عن انعدام التوازن في العالم؛ انعدام التوازن بين الفرد والحياة، وحين تصل الحياة إلى درجة أعلى من التوازن، سيختفي الفن. يمكن رؤية الفن من هذا المنظور كأداة للنجاة لا غير، حيث يتم اختصار الفن كوسيلة عبور لأجل واقع أفضل، لكن يبقى التساؤل عن إمكانية الوصول إلى واقع كهذا، وعن مدى تأثر موندريان بالفكر الماركسي، أو بشكل أدق بفلسفة السعي نحو "اليوتوبيا" والإيمان بوجودها. أما تولستوي، الكاتب والمفكر الروسي الشهير، فذهب إلى اعتبار الفن هو القوة التي تنتج أعلى مستويات السلوك الأخلاقي؛ وبناءً عليه، يلعب الفن هنا دوراً إنقاذياً مشابهاً لما سبق، لكن على صعيد مجتمعي أوسع.

لا أرى نفسي متفقاً مع التعريف الوظيفي للفن، بل أميل إلى كونه مؤشراً على كون الفرد قد تخطى مرحلة الهروب وبلغ أخيراً طور القدرة على قضاء أوقاته في حيز مكاني وزماني واحد، بمنأى عن أي نوع من أنواع القلق الوجودي. مما يأخذنا إلى فرنسا في القرن التاسع عشر، حيث عاش الكاتب الفرنسي الشهير ماري-هنري بيل، المعروف باسم "ستندال". عُرف عن ستندال هوسه بالفن، وقد وصف مشاعره أثناء تجوله في كنائس مدينة فلورنسا الإيطالية بطريقة توحي بأنه على وشك الإغماء، معتبراً أنه حين يرى اللوحات الفنية هناك يشعر أن عقله أصبح عاجزاً عن التفكير المنطقي. الطريقة التي كان يرى بها ستندال الفن ألهمت عالمة النفس "غرازييلا ماغيريني" لابتكار ما يسمى بـ "متلازمة ستندال"، وهي حالة نفسية جسدية نادرة تسبب أعراضاً جسدية وعقلية شديدة، مثل تسارع ضربات القلب، والدوخة، والتعرق، والارتباك، وحتى الإغماء، عند تعرض الشخص لأعمال فنية أو معمارية جميلة ومؤثرة بشكل كبير. لا بد هنا من ملاحظة ما قد يشكل تناقضاً مع التعريف الوظيفي للفن؛ ففي بعض الحالات النادرة قد يشكل الفن ثقلاً جمالياً لا يمكن للمرء تحمله، أو أن الانتقال السريع بين ضآلة الواقع وبين اتساع المدى الذي يغطيه الفن يدفع الفرد نحو إدراك فجائي للفرق بين الوجود والميتافيزيقيا.

لكن ستندال نفسه، يعود إلى تعريف أرقَّ للأعمال الفنية، ويعتبر أن هدف الفن هو أن يجعلك تشعر، وأن الجمال ليس سوى وعدٍ بسعادة مستقبلية.

في الختام، قد يكون الاكتفاء بحياة على قوارب النجاة أكثر أمناً من مجازفة القفز نحو بحر من الاحتمالات، ولا شك أن الدوار المرافق لاكتشاف واقع "أقل واقعية" من الانتظار في طوابير المحروقات قد يوقظ فيك أسئلة عن الغاية من حياة لا نعيشها بقدر ما ننجو منها. إلا أن أشخاصاً مثل ستندال، الذي قال يوماً إنه ظل ينظر إلى جدارية للرسام الإيطالي بالداسار فرانشيسكيني حتى شعر أن "ينابيع حياته قد جفت"، يجعلوننا ندرك أننا لا ننجو بالفن، بل ننجو من أجله.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق