ليته ما كان وليته كان.. لماذا لا يجب أن تتكرر 25 يناير؟ - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ليته ما كان وليته كان.. لماذا لا يجب أن تتكرر 25 يناير؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الأحد 25 يناير 2026 08:12 صباحاً

ليته ما كان…وليته كان كما ينبغي أن يكون. بهذه المفارقة القاسية وحدها يمكن الاقتراب من ذكرى 25 يناير، لا بوصفها حدثًا يُحتفى به أو خطأً يُلعن بالكامل، بل باعتبارها زلزالًا سياسيًا كاشفًا ما زالت توابعه تضرب الوعي والدولة والمجتمع حتى اليوم. ذكرى لا يجوز التعامل معها بالعاطفة أو الحنين أو الشعارات، بل بالعقل البارد الذي لا يخشى الحقيقة مهما كانت موجعة.

والحقيقة التي لا تحتمل الالتفاف هي أن تكرار 25 يناير ليس فعل شجاعة، بل مقامرة خطرة بمصير دولة.

ليس لأن الغضب لم يكن مبررًا، ولا لأن الناس لم تكن مظلومة، بل لأن ما تلا الغضب كان أثقل من أي مطلب، وأقسى من أي شعار، وأعلى كلفة من قدرة مجتمع على الاحتمال.

نحن لا نملك رفاهية الخطأ مرتين.

25 يناير لم تكن مجرد يوم احتجاج، بل كانت انفجارًا تاريخيًا لغضب تراكم لعقود من الانسداد السياسي والاجتماعي. غير أن المأساة لم تكن في الانفجار ذاته، بل في الفراغ الذي تلاه. فكل انفجار بلا قيادة يتحول إلى فوضى، وكل تغيير بلا مشروع يتحول إلى صراع، وكل شارع بلا بوصلة يصبح ساحة مفتوحة لكل من يملك القوة لا الرؤية، وهذا ما حدث بالضبط.

فُتح باب التغيير، لكن من دخلوا لم يعرفوا إلى أين يمضون، ولا اتفقوا على شكل الدولة، ولا امتلكوا تصورًا للسلطة، ولا أدركوا حجم القوى التي كانت تنتظر السقوط لا الإصلاح، في الداخل والخارج معًا.

ما جرى في مصر لم يكن استثناءً، بل كان فصلًا في كتاب عربي واحد كُتب بالدم.

فخلال أكثر من سبعين عامًا من الصراع العربي- الإسرائيلي، وفي كل الحروب والانتفاضات والمعارك، سقط ما يُقدَّر بنحو 250 ألف شهيد عربي. رقم فادح، لكنه كان يحمل — رغم المآسي — معنى سياسيًا واضحًا، حتى في لحظات الهزيمة.

لكن بعد ما سُمّي بـ«الثورات العربية»، وخلال أقل من خمسة عشر عامًا فقط، سقط في العالم العربي ما بين 12 إلى 15 مليون قتيل، إضافة إلى عشرات الملايين من اللاجئين والمشردين. لم يسقطوا في معارك تحرير، ولا في مواجهة عدو خارجي، بل في حروب أهلية وصراعات داخلية وانفجارات بلا مشروع ولا أفق.

انتقلنا من شهداء لقضايا واضحة، إلى ضحايا للفوضى. ومن صراع مع عدو خارجي، إلى اقتتال مع الذات.

خريطة الانهيار العربي لا تحتاج إلى كثير شرح:

سوريا دُمّرت، ليبيا تفتّتت، اليمن انهار، السودان انزلق إلى حرب أهلية بلا دولة، العراق لم ينهض من دوامة الاحتلال والطائفية، لبنان يختنق اقتصاديًا وأمنيًا، وغزة تنزف اليوم في إقليم مشلول يُحيي ذكريات ثورات لم تحمِ أصحابها، ولم تُنقذ دولها، ولم تُنتج مستقبلًا.

الأخطر من كل ذلك أن الموت نفسه فقد قيمته السياسية.

لم يعد القتيل شهيد قضية، بل رقمًا زائدًا في تقرير دولي، وضحية فوضى لا تعرف حتى لماذا بدأت.

في هذا المشهد، تتقابل سلطات تُلوّح بالمؤامرة، ومعارضات ترفع شعارات الحرية بلا خطة ولا تصور، وقوى دولية تُدير المنطقة كما تُدار الملفات الأمنية: ضغط هنا، تفجير هناك، ولا مكان للإنسان إلا كرقم. لذلك فإن أي حديث عن تكرار 25 يناير، بالعقلية نفسها، وبالأدوات نفسها، وبالغموض السياسي نفسه، ليس دعوة للتغيير، بل وصفة جاهزة للخراب.

ومع ذلك، فإن تحميل الشارع وحده المسؤولية هو هروب من الحقيقة.

فالمسؤولية السياسية لا تسقط عن الدولة.

الدولة التي تريد الاستقرار لا تكتفي بالتحذير من الفوضى، بل تعمل يوميًا على إزالة أسبابها. فالقمع لا يمنع الانفجار، وتخويف الناس لا يصنع دولة قوية، وتجاهل المعاناة لا يُنتج استقرارًا. الاستقرار الحقيقي يبدأ بتخفيف الأعباء، وفتح أفق سياسي واقتصادي واجتماعي واقعي، يجعل المواطن يشعر أن البقاء داخل الدولة أكثر أمانًا من القفز في المجهول.

وهنا يفرض السؤال نفسه، بلا دبلوماسية ولا مواربة:

إذا كانت الفوضى مرفوضة، فماذا يُفعل اليوم لمنعها؟

ما السياسات التي تُخفف الغضب؟

وما الأفق الذي يُقنع الناس بأن الإصلاح ممكن من الداخل، لا عبر الانفجار؟

لأن الدول لا تُحمى بالخوف، ولا بالشعارات، بل بسياسات ذكية تقلل الألم، وتعيد الثقة، وتمنع اليأس قبل أن يتحول إلى غضب أعمى.

ما ينبغي قوله بوضوح

25 يناير كانت لحظة كاشفة في تاريخ مصر، لكنها ليست نموذجًا يُستنسخ، ولا تجربة تُكرر. تكرارها ليس حلًا، بل خطرًا. ومن لا يتعلم من الدم، سيكتبه مرة أخرى. ومن لا يحتمل كلفة الفوضى، عليه ألّا يفتح بابها، ولا يتركها تتراكم في الصدور.

ليته ما كان…وليته كان بعقل دولة، لا بانفجار شارع.

اقرأ أيضاً
«الناصريين المرابطين»: نهج عبد الناصر «الحامي الوحيد» للأمة في مواجهة الاحتلال والإملاءات الخارجية

عام على حكم «الجولاني».. وإخوانه

كيف يقاتل العليمي لاستعادة ما تهدم ويمنع اليمن من الانهيار

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق