بين النقد الجريء والحالة الإنسانية.. محفوظ وطه حسين يرسمان ملامح الشخصية المصرية - جريدة هرم مصر

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بين النقد الجريء والحالة الإنسانية.. محفوظ وطه حسين يرسمان ملامح الشخصية المصرية - جريدة هرم مصر, اليوم السبت 24 يناير 2026 10:48 مساءً

في ندوة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب حاولت اقتفاء أثر التحولات التي مرت بها الشخصية المصرية، والذين أثروا أو قدموا رؤاهم التي قد تبدو متناقضة.

حول هذه الشخصية قدم الدكتور زين عبد الهادي دراسة أكاديمية متخصصة عقد من خلالها مقارنة بين عملاقين من عمالقة الأدب هما طه حسين ونجيب محفوظ كنموذجين لقراءة المثقفين للشخصية المصرية والتعبير عنها.

مؤكدا من خلال تلك الدراسة أن كلا منهما يمثل رؤية فريدة ومنهجاً متميزاً، حيث يمثل طه حسين، صوت التنوير والعقلانية والنقد الجريء، بينما نجيب محفوظ، مرآة الواقع الإنساني وضمير الوجدان المصري المتجسد في الرواية.

وأوضحت الدراسة أنه رغم اختلاف أدواتهما الجوهرية — طه حسين بالمقال الفلسفي والنقد التاريخي والخطاب الأكاديمي، ومحفوظ بالرواية النفسية والاجتماعية والفن السردي — فإن كليهما يسعى لرسم ملامح الشخصية المصرية، لا كصورة جامدة أو أيقونة قومية مجردة، بل ككيان حيّ، متجدد، يتأرجح بين أثقال الماضي وضغوط الحاضر وتحديات المستقبل. وبينما يتفقان على أن مصر ليست مجرد أرض أو حدود جغرافية، بل "حضارة متجددة" و"فكرة قائمة بذاتها"، فإنهما يختلفان جذريًا في تحديد آليات هذا التجدد ومصادره ومنهجيته. فطه حسين يرى في المتوسطية "المخرج" من تخلف التراث والانغلاق، بينما يجتهد محفوظ في سبر أغوار "الكائن المصري" كما هو، ملتبسًا ومتحيرًا بين إرثه وحاضره، بين تقاليده وطموحاته.

ومن خلال تحليل مقارن متعمق لرؤية كل منهما، واستكشاف أوجه التقاطع والتباين، حاولت الدراسة الإجابة عن سؤال: كيف يمكن للجمع بين المنهجين أن يقدم فهماً أشمل للهوية المصرية المعقدة والمتعددة الطبقات؟

نجيب محفوظ

مؤكدا أن طه حسين لم يكن يومًا داعيًا لهجر التراث أو إنكاره بشكل قاطع. بل كان يدعو إلى "قراءته قراءة نقدية"، تفككه إلى عناصره المكونة، ثم تعيد بناءه بأدوات العقل الحديثة والمنهج العلمي. مشيرا إلى كتابه الشهير مستقبل الثقافة في مصر (1938)، حيث يرفض طه حسين الثنائية الساذجة بين "الشرق والغرب"، أو بين "الأصالة والتقليد". فهو لا ينكر الجذور الفرعونية للشخصية المصرية، لكنه يرفض استخدامها كـ"أيقونة قومية" مغلقة، تُستخدم لتبرير الانغلاق أو مقاومة الحداثة تحت شعار الحفاظ على الأصالة.

كما يرى أن الخطورة تكمن في تحويل التراث إلى صنم مقدس لا يمكن المساس به، بدلاً من اعتباره تراثاً بشرياً قابلاً للنقد والتطوير مع ضرورة تطبيق المنهج العلمي في دراسة التراث بهدف تحرير العقل المصري من سلطة النقل غير النقدي، وإعادة الاعتبار للعقل كأداة أولى للمعرفة وتمضي الدراسة في تحليل فكر طه حسين من خلال ماقدمه من انتاج فكري يدعو إلى الإنفصال عن الأساليب الجامدة في التفكير، لا عن الجذور الحضارية. ومن أهم جوانب رؤية طه حسين نقد الذات والاعتراف بالتخلف والبحث عن أسبابه بموضوعية.

الدكتور طه حسين

ويؤكد طه حسين أن الانفتاح على الغرب لا يعني التبعية العمياء، بل الاستيعاب النقدي. فهو ينتقد الاستعمار الأوروبي لكنه يعترف بتفوق الغرب العلمي والتقني، ويدعو إلى التعلم منه مع الحفاظ على الاستقلال الفكري.

وتشير الدراسة إلى أنه بينما كان طه حسين يكتب "البرنامج" النظري للنهضة، كان نجيب محفوظ يرسم "الحالة" الإنسانية بريشة الروائي المتأني. في ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، فلا يقدم محفوظ نموذجًا واحدًا للشخصية المصرية، بل يقدم "طيفًا" من الشخصيات، كلٌّ منها يمثل موقفًا مختلفًا من التراث والحداثة، من الدين والسياسة، من الذات والمجتمع، من الحرية والالتزام.

الرواية عند محفوظ ليست مجرد سرد لأحداث، بل هي "مختبر أنثروبولوجي" تدرس فيه الشخصية المصرية في تفاعلاتها اليومية، في صراعاتها الداخلية، في تناقضاتها التي تجعل منها كياناً معقداً لا يمكن اختزاله في صيغة بسيطة. من خلال هذا المختبر الروائي، نرى كيف تتشكل الهوية في الواقع المعيش، لا في الخطابات النظرية المجردة، وترصد الدراسة تطبيقا عمليا من خلال شخصيات الثلاثية التي تعد تجسيدا للصراعات الداخلية والتحولات الجيلية.

بداية من السيد أحمد عبد الجواد الذي يجسد تناقض الظاهر (الأبوة المتسلطة، الالتزام الديني الظاهري، الاحترام الاجتماعي) والباطن (الشغف، الانفلات، حب الحياة واللذة). إنه رمز للانفصام الذي تعيشه الطبقة الوسطى المصرية بين القيم التقليدية والرغبات الحديثة، بين المظهر العام والبواطن الخاصة.

بينما فهمي الشاب الثائر المثالي الذي يدفع حياته ثمنًا لثورته ضد الاحتلال. يمثل الجيل الذي آمن بالتغيير السياسي المباشر، لكن ثورته فشلت لأنها لم تتجذر في "وعي جماعي" ناضج. هنا، يطرح محفوظ سؤالًا عميقًا: هل يكفي الغضب الوطني والحماس الثوري دون بناء وعي ثقافي وفكري موازٍ؟ وفهمي أيضاً يمثل الصدام بين المثل العليا والواقع القاسي، بين طموحات التغيير وقوة الأنظمة القائمة. ويمثل كمال المثقف المتحوّل، الذي يمرّ من التصوف إلى الناصرية، ثم إلى الإحباط واليأس. يمثل "المسار التائه" للذات المصرية الباحثة عن إطار فكري يستوعب كل مكوناتها. وهو الأقرب إلى صوت الكاتب نفسه، صوت التأمل والشك والبحث الدائم عن الحقيقة في عالم مليء بالتناقضات. ويجسد أزمة المثقف المصري بين التراث والحداثة، بين الدين والعلمانية، بين الفردية والالتزام الاجتماعي.

ما يميز رؤية محفوظ أنه لا يحكم على الشخصية المصرية، بل يفهمها في تعقيداتها وتناقضاتها. فهو لا يراها كيانًا جاهزًا، بل عملية مستمرة من الصراع بين مكونات متعددة، منها الإرث الفرعوني و الإرث الإسلامي والاستعمار.

· الاستعمار، مؤكدا أن الرواية عند محفوظ ليست مجرد سرد، بل "تحليل نفسي-اجتماعي" للهوية المصرية، يكشف عن طبقات الوعي واللاوعي الجمعي.

الرجلين يؤمن بأن مصر حضارة وليست مجرد أرض أو شعب، وأن هذه الحضارة قادرة على استيعاب المؤثرات الخارجية وتحويلها إلى جزء من نسيجها الخاص. وكلاهما يرفض النظرة الأسطورية للذات التي تبالغ في تمجيد الماضي وتنكر عيوب الحاضر.

الافتراق الجوهري: البرنامج التنويري مقابل الفهم الأنثروبولوجي

· طه حسين يرى الحل في "البرنامج": تعليم حديث، عقلانية نقدية، قطيعة مع الخرافة والتفكير الأسطوري. هو يؤمن بأن التغيير يبدأ من الأعلى، عبر المؤسسات الفكرية والتعليمية، عبر إصلاح النظام التعليمي والثقافي. رؤيته تنطلق من العقل إلى الواقع، من الفكرة إلى التطبيق.

· نجيب محفوظ يرى الحل في "الفهم" أولاً: لا يمكن بناء هوية صحية دون "هضم" التراث وفهم تناقضاته، لا دون "هجره" ببساطة. التغيير، في رأيه، يبدأ من الداخل، من الوعي الفردي، من الصراعات اليومية للإنسان العادي. رؤيته تنطلق من الواقع إلى الفكرة، من التجربة الإنسانية إلى التعميم الفكري.

وتخلص الدراسة المطولة إلى ان حوار طه حسين ومحفوظ يبقى مستمراً، ليس فقط بين نصيهما، بل في وعي كل مصري يبحث عن ذاته بين تراثه وطموحاته، بين ماضيه وحاضره، بين خصوصيته وعالميته. وهذا الحوار الداخلي هو الذي يصنع الهوية الحية المتجددة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق