نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نجيب محفوظ.. ابن القراءة!! - جريدة هرم مصر, اليوم السبت 24 يناير 2026 11:54 صباحاً
من العام إلى العام، ننتظر هذا الحدث السعيد.حيث تخرج جموع المصريين ويأتي ضيوفهم من العرب والأجانب، في رحلة الحج الثقافيّ الأكبر، إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، هنالك ترى الأمواج البشرية المتلاطمة، وقد علت وجوههم السعادة، وكأن كل واحد منهم يخطو مهرولا للقاء حبيب قديم، أو صديق حميم.
كلما طالعت هذا السرور والاستبشار اللذين يملآن النفوس ويفيضان على الوجوه، وكلما تأملت التنقل المحموم بين دور النشر، والتهام الأعين لعناوين الكتب وأغلفتها، واقتناء الأطفال والشبان والكبار للكتب، وفرحة التنقل بها، عندما أرى كل ذلك أدرك أننا أمة جديرة - حقا - بأن توصف بأنها أمة "اقرأ"، ذلك الفعل المقدس الذي افتتح الله به كتابه الكريم في ترتيبه النزوليّ المنجّم حسب الوقائع والأحداث، ففعل القراءة الخلاق هو أول صوت للوحي الإلهيّ يصافح أذن النبي، صلى الله عليه وسلم.
وفي تقليد عريق، يحتفي معرض القاهرة الدوليّ للكتاب كل عام برموز مصر وأساطيرها الثقافية، مسلطا الضوء على منجزها الإبداعيّ أو الفكريّ، وإسهامها الخلاق في تدعيم الهوية الثقافية القومية. وقد اختار معرض الكتاب في دورته الـ (57) لهذا العام (2026) شخصية الأديب العالميّ نجيب محفوظ، بمناسبة مرور عشرين عاما على رحيله (وهل يحتاج نجيب محفوظ إلى مناسبة للاحتفاء به؟! إنه الحضور الوهاج المتجدد في حياتنا الأدبية والفكرية، بل في الثقافة العربية طولا وعرضا). واتخذ المعرض شعاره لهذه الدورة: "من يتوقف عن القراءة ساعة.. يتأخر قرونا" بصوت نجيب محفوظ المحبب إلى القلوب.إضافة إلى التأكيد على "الهوية القومية".
وإيمان نجيب محفوظ بالعلم، ووسيلته الأساس القراءة، لا يحتاج إلى دليل. فأعماله شاهد صدق على قارئ محيط بتراثه الأدبي الممتد شعرا ونثرا وفلسفة، وخاصة ما يتصل منه بالبنية الحكائية وتاجها ألف ليلة وليلة، وكتب التاريخ الإسلاميّ، وقبل كل ذلك وبعده القرآن الكريم وما دار حوله من حركة علمية تناولته من شتى جوانب إعجازه: اللغويّ والبلاغيّ الجماليّ والعلميّ والتشريعي.. .إضافة إلى قراءته المستوعبة لأعمال أدباء عصره الكبار مثل طه حسين، وتوفيق الحكيم، ومحمد حسين هيكل، والعقاد الذي اشتبك معه في معركة قصيرة، على صفحات مجلة "الرسالة" في منتصف أربعينيات القرن الماضي (1945)، عندما انتصر العقاد للشعر وجعله فن الخاصة، معاديا القصة التي جعلها فن العامة، فردّ عليه نجيب محفوظ بأن القصة هي شعر الدنيا الحديثة، أو عصر العلم والصناعة والحقائق، وأنها مواكبة لروح العصر، وأنها ـ لمرونتهاـ صالحة للتعبير عن الحياة الإنسانية في أشمل معانيها.. .كما قرأ محفوظ تراث أوروبا الروائي مطلعا على الأساليب السردية لأدبائها الكبار، خاصة أنه كان متقنا للإنجليزية، وترجم منها، في بواكير حياته الأدبية، كتاب "مصر القديمة" للمستشرق وعالم المصريات القس الأسكتلندي "جيمس بيكي".
وظهر أثر إيمان نجيب محفوظ بالقراءة في بعض رواياته، ففي روايته الإشكالية "أولاد حارتنا" يجعل محفوظ من "عرفة" الشخصية الخامسة والأخيرة بعد: أدهم وجبل ورفاعة وقاسم. و"عرفة" اسم مشتق من المعرفة، التي هي السبيل الأول للعلم. وجعله محفوظ آخر أولاد الحارة الأمجاد، فقد نضج العقل البشريّ ولم يعد - بعدُ - في حاجة إلى من يرشده أو يهديه. وقسّم محفوظ روايته "أولاد حارتنا" إلى 114 فصلا، غطت تفاصيل حيوات الشخصيات الروائية الخمسة التي بُنيت عليها الرواية (هل من قبيل المصادفة العمياء أن يتساوي عدد فصول الرواية مع عدد سور القرآن الكريم ( 114سورة)؟!
وفي رواية "خان الخليلي" نجد بطلها الموظف في وزارة الأشغال "أحمد أفندي عاكف" يستبدل بدنيا الناس دنيا القراءة، حيث يصفه الراوي بأنه: "لم يهجر عادة القراءة، لأن الكتب تهيّئ للإنسان الحياة التي يهواها، فتعالى بحياة الكتب على حياة الدنيا، وظفر منها ببلسم لآلام كبريائه، واستعار ما بها من قوة فخالها قوة ذاتية، وكأن أفكارَها أفكارُه، وسيطرتَها سيطرتُه، وخلودَها خلودُه.. ."
والأهم من ممارسة محفوظ للقراءة، أو تضفيرها كفكرة روائية في أعماله، هي الدوائر القرائية التي خلقتها رواياته، تلك الدوائر التي ما زالت تتسع يوما بعد يوم، وعامًا بعد عام، خاصة بعد أن نال اعترافا عالميا، وارتدى أدبه قبعة غربية، بنيله جائزة "نوبل" في الآداب عام 1988 فاجتذبت إليه نقادا كثيرين وقراءً أكثر.
إن الإسهام الحقيقي لنجيب محفوظ في ترسيخ دعائم الهوية القومية، يتجلّى ـ كأبهى ما يكون التجلي ـ فيما بثه في تيار اللغة العربية الزاخر من شخصيته الثرية، فكيف استطاع أن يعبّر عن مكنونات آلاف الشخصيات الروائية، ويحيط بتفاصيلها الاجتماعية والنفسية، مانحا كل شخصية منها خصوصيتها اللغوية المائزة لها عما سواها، غير متورط في استعمال اللغة "العامية" سردا أو وصفا أو حوارا، بدعوى الواقعية التي ينبغي لها أن تُلائم بين لغة الشخصية ومستواها الاجتماعي والثقافي والفكري؟!
فنجيب محفوظ ضد استعمال العامية في الإبداع، لأنها تفرّق بين الشعوب العربية، وتوسع الهوة بين أقاليمها، ويرى أنه من الأجدى، بدلا من ذلك - كما جاء في كتاب "في حب نجيب محفوظ" لرجاء النقاش - أن استعمال اللغة العربية الفصحى "نعمة على العرب.. .فالعرب قد احتفظوا بلغة قومية أساسية واحدة، يفهمونها ويتفاهمون بها، بينما فقد الأوروبيون هذه اللغة الواحدة، ولو أنهم احتفظوا باللغة الواحدة لكان ذلك خيرا لهم وللعالم، فدراسة أوروبا وفهمها الآن يحتاج إلى دراسة العديد من اللغات المختلفة عن بعضها البعض، ولو أن أوروبا قد احتفظت لنفسها بلغة واحدة، لأمكن فهم أوروبا كلها بملايينها الثلاثمائة عن طريق لغة واحدة، وهو أمر غير متاح الآن ولا بد من التعامل مع الأوروبيين عن طريق عدد من اللغات يتساوى مع عدد شعوبهم.
أما الأمة العربية فقد تجنبت هذا المصير اللغويّ المزعج، وأصبحت تعتمد على لغة أساسية واحدة تتفاهم بها وتعبر عن نفسها من خلالها، وهذا مكسب حضاري كبير لا ينبغي التقليل منه أو العمل على تغييره."
وبعدُ، فإن نجيب محفوظ لم يستند إلى جماعة أو مؤسسة تدعمه وتدفعه إلى الأمام، وترعى نجاحه، وإنما صنع أسطورته الخاصة بنفسه، وطوّر موهبته بالعكوف على القراءة المنتظمة المتواصلة، وإن كان من أب لعبقريته فهو جهاده الطويل في محرابها، وصبره على مشاقّها. إن نجيب محفوظ هو ابن القراءة، الذي يصدق عليه قول "برنارد شو": "العبقرية صبر طويل".
الشخصية المصرية وتحولاتها.. ندوة في معرض الكتاب 2026
في يومه الثاني.. معرض الكتاب 2026 يشهد حشودًا هائلة
إقبال واسع من الزوار على مبادرة «مكتبة لكل بيت» ضمن فعاليات معرض الكتاب













0 تعليق