نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
آفاق التمويل الإسلامي: الريادة الرقمية والمسؤولية الأخلاقية في عالم ديناميكي متغير - جريدة هرم مصر, اليوم الثلاثاء 20 يناير 2026 09:57 صباحاً
د. جلال قنّاص*
رسخت الصيرفة الإسلامية والتمويل الإسلامي مكانتها واحدة من أكثر القطاعات ديناميكية في النظام المالي العالمي، متجاوزة مرحلة التأسيس لتخوض اليوم غمار المنافسة والريادة في أسواق المال الدولية. يشير أحدث المؤشرات الاقتصادية إلى أن حجم أصول هذا القطاع كسر حاجز الـ 4.5 تريليونات دولار، مسجلاً معدلات نمو سنوية تعكس ثقة المستثمرين وتزايد الطلب على المنتجات المالية المتوافقة مع الشريعة. وتقود دول خليجية مثل المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، وقطر، إلى جانب ماليزيا، قاطرة هذا النمو، في حين تسعى مراكز مالية غربية عريقة، وفي مقدمها لندن، لتعزيز حصتها السوقية عبر اجتذاب إصدارات الصكوك وإدارة الثروات، مما يؤكد عالمية هذا النظام المالي وقدرته على العبور وراء الحدود الجغرافية للعالم الإسلامي.
شهدت المنتجات المالية الاسلاميه تطوراً نوعياً واكب هذا التوسع؛ فقد انتقلت الصناعة من العقود التقليدية المباشرة إلى هندسة مالية متقدمة تشمل الصكوك السيادية والمؤسسية، ومنتجات التحوط، والتأمين التكافلي. وتتزامن هذه الوفرة في المنتجات مع تصاعد التوجه العالمي نحو التمويل الأخلاقي والمستدام. هنا، يبرز التمويل الإسلامي كشريك أصيل لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) وأهداف التنمية المستدامة، حيث تتلاقى مقاصد الشريعة في حفظ المال وإعمار الأرض مع الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي، وهو ما يظهر جلياً في الإقبال المتزايد على "الصكوك الخضراء" الموجهة لمشاريع الطاقة النظيفة والبنية التحتية المستدامة.
صورة تعبيرية (مواقع)
العصر الرقمي: البلوك تشين والعقود الذكية كركائز استراتيجية
يمر القطاع حالياً بتحول مفصلي تفرضه معطيات الثورة الصناعية الرابعة. لقد أصبح التبني العميق للتقنية المالية (FinTech) ضرورة حتمية لضمان الاستدامة والتنافسية. وفي قلب هذا التحول، تبرز تقنية سلسلة الكتل (Blockchain) وتطبيقاتها المتمثلة في العقود الذكية والصكوك الرقمية كأدوات ثورية تعيد تشكيل المشهد المالي.
تكتسب العقود الذكية أهميتها من قدرتها على "برمجة الالتزام الشرعي"؛ إذ تنفذ هذه البرمجيات المعاملات تلقائياً بمجرد استيفاء الشروط المحددة مسبقاً، مما يضمن دقة الامتثال الشرعي ويزيل مخاطر الخطأ البشري، فضلاً عن تعزيز الشفافية وتقليص أكلاف الوساطة. وبالتوازي، تفتح الصكوك الرقمية آفاقاً واسعة عبر تقنية "ترميز الأصول" (Tokenization)، التي تتيح تقسيم ملكية الأصول الكبرى إلى وحدات رقمية، مما يفتح الباب أمام المستثمرين الصغار للمشاركة في مشاريع استثمارية نوعية، محققة بذلك ديموقراطية الاستثمار وعدالة توزيع الفرص.
بناء "الإيكوسيستم" ومواجهة تحديات المستقبل
يتطلب استكمال مسيرة النجاح بناء نظام بيئي (Ecosystem) متكامل يربط بين المصارف، أسواق رأس المال، شركات التقنية المالية، والمؤسسات الوقفية في شبكة موحدة. ويُعوّل هنا على الذكاء الاصطناعي (AI) ليلعب دوراً محورياً في تطوير نماذج إدارة المخاطر وتقييم الجدارة الائتمانية بناءً على البيانات السلوكية والتدفقات الحقيقية، بعيداً من النماذج التقليدية الجامدة.
ورغم هذه الصورة المشرقة، يدرك الخبراء وجود تحديات هيكلية تتطلب معالجة جدية، أبرزها تباين المعايير الشرعية الذي قد يحدّ من سيولة المنتجات عبر الحدود، مما يستوجب تفعيل دور المؤسسات المعيارية (مثل AAOIFI) لتوحيد الأطر التنظيمية. كما تظل إدارة السيولة قصيرة الأجل هاجساً يتطلب ابتكار أدوات نقدية أكثر مرونة وعمقاً.
في المحصلة، يمتلك التمويل الإسلامي المقومات اللازمة لتقديم نموذج اقتصادي عالمي يجمع بين الكفاءة الرقمية والروح الأخلاقية. إن نجاح هذا النموذج في المستقبل يعتمد على قدرته على المزاوجة بين أصالة المبادئ ومرونة الابتكار التكنولوجي، ليقدم للعالم حلولاً مالية تتسم بالعدالة والاستدامة.
*أستاذ الاقتصاد في جامعة قطر








0 تعليق