نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الروبل… صعود عملة في قلب الأزمات - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 02:42 مساءً
شفيق طاهر
لم يكن صعود الروبل الروسي في عام 2025 تفصيلاً مالياً عابراً. بدا كأن العملة تسير عكس اتجاه كل المؤشرات: عقوبات مشددة، حرب روسية = أوكرانية مفتوحة، وتراجع في عائدات النفط. مع ذلك، ارتفع سعر صرف الروبل ليصبح إحدى أبرز القصص الاقتصادية خلال العام.
أفاد موقع "ذا بيل" الروسي المستقل بأن الروبل ارتفع بنحو 44 في المئة أمام الدولار خلال 2025، ليصبح أفضل العملات أداء في العالم. ولم يتفوق عليه سوى الذهب الذي صعد بنسبة 72 في المئة، والفضة التي قفزت إلى نحو 159 في المئة بين السلع الرئيسية المتداولة. هذا التحسن نقل سعر الصرف من نحو مئة وثلاثة روبلات للدولار إلى ما يقارب التسعة والسبعين روبلاً خلال أقل من عام، رغم الظروف السياسية والاقتصادية التي يفترض أن تضعف أي عملة بدل أن تعززها.
السياسة النقدية تثبيت بلا ترف
تشير بيانات البنك المركزي الروسي إلى أن الروبل بدأ يقوى تدريجياً منذ بداية العام. ففي أقلّ من تسعة أشهر انتقل سعره من مستويات فوق المئة روبل للدولار إلى نحو ثلاثة وثمانين روبلاً في نهاية أيلول/سبتمبر. المشهد لم يكن وليد السوق وحدها، بل نتيجة قرار رئاسي روسي واضح بتشديد السياسة النقدية، والحدّ من خروج رؤوس الأموال من النظام المصرفي الروسي، وإبقاء الادّخار داخل النظام المصرفي بالعملة المحلية.
هذا النهج منح الروبل جرعة ثقة، لكنه لم يخل من كلفة. فالواردات الروسية تراجعت تحت ضغط القيود والعقوبات الغربية، في حين بقيت عائدات التصدير مستمرة رغم انخفاض أسعار النفط والخصومات المفروضة على الخام الروسي. إلى جانب ذلك، اتسعت مساحة التعامل بالعملات الوطنية مع الشركاء الآسيويين، الأمر الذي قلّل تدريجياً الاعتماد على الدولار في التسويات التجارية.
قطعة 1 روبل المعدنية. (أ ف ب)
مكاسب على الورق… وضغوط في الميزانية
قوة الروبل انعكست على الأسعار في داخل السوق الروسية، فتراجعت كلفة السلع المستوردة، وهدأ التضخم نسبياً، واستعاد المستهلك جزءاً من قدرته الشرائية. لكن الصورة لا تبدو مشرقة بالقدر نفسه بالنسبة إلى المالية العامة. فالعائدات النفطية تسعر بالدولار بينما تدفع نفقات الدولة بالروبل؛ ومع ارتفاع قيمة العملة المحلية تتقلص الموارد المتاحة للدولة، ما يفرض إعادة ترتيب الأولويات على حساب البرامج الاجتماعية والاستثمارية.
كما أن الروبل القويّ يضع الصادرات الروسية أمام امتحان صعب، إذ تصبح السلع الروسية أعلى كلفة في الأسواق العالمية، وتتراجع القدرة التنافسية في قطاعات تعتمد أساساً على السعر.
ما بعد الارتفاع توازن هشّ
مع نهاية العام، بدا الروبل ثابتاً فوق أرض صلبة، لكنه يفتقر إلى هوامش أمان واسعة. فأسعار النفط مرشحة للبقاء عند مستويات متوسطة، وتراجع تدخّل الدولة في سوق الصرف قد يترك العملة أكثر تعرضاً للتقلّب. وإذا اضطرت السلطات المالية الروسية إلى تخفيف السياسة النقدية لتحفيز الإنتاج، فقد تتراجع جاذبية الادخار بالروبل ويعود الطلب على العملات الأجنبية بوتيرة أعلى.
يبقى أن صعود الروبل يكشف مفارقة زمن الأزمات: سياسة نقدية قادرة على تثبيت اللحظة، لكنها غير قادرة وحدها على ضمان المستقبل. وبين حماية القدرة الشرائية من جهة، وحماية الموازنة والصادرات من جهة أخرى، تبدو السنوات المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد الروسي على تحويل هذا الارتفاع إلى استقرار مستدام، لا إلى محطة عابرة في مسار مليء بالتقلبات.












0 تعليق