نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحقيقة قبل الإثارة: أخلاقيات الإعلام اختبار دائم! - جريدة هرم مصر, اليوم الجمعة 23 يناير 2026 09:53 صباحاً
ماريا طراد
أشلاء، دم، صور لأطفال ومراهقين… مشاهد تُلقى أمامنا يوميّاً بلا تحذير، فتُحدث تلوّثاً بصرياً يثقل الذاكرة ويستنزف المشاعر. في زمن السرعة واللهاث وراء المشاهدات، بات بعض الوسائل الإعلاميّة ينشر العنف كما هو، بلا مراعاة لوقعه النفسيّ على الجمهور. وفي دراسة حديثة لليونيسف، تعرّض نحو 60% من الشباب، بين 14 و25 عاماً، لما يُعرف بـ"الصدمة الثانويّة" نتيجة مشاهدة محتوى عنيف عبر وسائل الإعلام. نحن نتأثّر من دون أن نتنبه... ومن هنا تبرز الحاجة المُلحّة إلى صحافة مسؤولة، صحافة لا تساوم على الأخلاقيات المهنية!
كيف توازن المؤسسات الاعلامية اللبنانية بين ثلاثية: السبق الصحافي واشباع فضول الجمهور والإلتزام بالأخلاقيات الإعلامية؟ كيف تواجه وسائل الاعلام هذا الاستحقاق الثلاثي الأبعاد؟ وغيرها من الاسئلة كانت محور زيارتنا كطلاب ماستر في "الصحافة والتواصل" في جامعة الروح القدس – الكسليك، إلى جريدة "النهار" في قلب العاصمة بيروت، وذلك ضمن مادة "أخلاقيات وسائل الإعلام".

لماذا هذا النشاط؟ لماذا "النهار"؟ أسئلة لم نتردّد في طرحها على الدكتورة ناتالي إقليموس منذ أن اقترحت علينا هذا النشاط ضمن مادّة "الأخلاقيات"، فأوضحت أهمية الجمع بين المنحى النظريّ والتطبيقيّ، والخروج من قاعات الدراسة لاستكشاف المؤسسات الاعلامية ومراقبة سيرورة أعمالها وطبيعة القواعد والقوانين التي تحكمها... أما سؤال "لماذا النهار؟"، فاكتفت بالاجابة: "بعدين بتعرفو ليش!".
أتى اليوم المنتظر، وتوجّهنا إلى مكاتب الجريدة حيث كان في انتظارنا "ذاكرة النهار" عياد واكيم الذي قمنا معه بجولة في الطابق الخامس من المؤسسة... هنا، كلّ زاوية تُخبئ تاريخاً في ذاته، محطّات من عمر جريدة، لا بل عمر الوطن مكتوب في "النهار"، تحديداً في قاعة الاجتماعات واللقاءات حيث تُخلد على الجدران سلسلة طويلة من الصفحات الأولى من "النهار" تعود إلى أربعينات القرن الماضي... وكان ثمن النسخة آنذاك 15 قرشاً. صفحات تُخلّد حروب الآخرين وتجاوزاتهم، لوهلة تظنّ كأنّ الزمن يُعيد نفسه تحت تسميات أخرى وبأدوات مغايرة، إنّما النتيجة ذاتها قلق، خوف، والأصبع على الزناد... خارج تلك القاعة، وفي الممرّ تحديداً يستوقفك المجسم الشهير، سلسلة مرتفعة من الكراسي التي ترمز إلى المناصب والمراتب والمغريات... ولكن على رأسها ديك يصيح، وهو يرمز إلى ديك "النهار"، وكأنه يقول مهما تعاظمت المناصب وتزاحمت الألقاب، تبقى "النهار" الأسمى، تبقى "النهار" في المقدمة، تبقى الساهرة من الأعلى، متيقظة، متمسكة بدورها في الكشف عن الحقائق وفي نقل الاحداث مع كلّ صباح جديد.
لن أسترسل في الحديث عن التاريخ، فكلّ زاوية من مكاتب "النهار" قد تتطلّب يوماً بأكمله لسرد تاريخها وما تختزنه من ذكريات. ولكن في جولة سريعة على عدد من الصفحات الأولى لصحيفة "النهار" منذ تأسيسها، وبالتزامن مع التعديلات التي شهدتها من إشارة الديك وغيرها من التفاصيل الإخراجية، لا يمكنك إلّا أن تتلمّس هذا التزاوج ما بين دور "النهار" في نقل أدقّ التفاصيل وتمسّكها بمبادئ المهنة وأخلاقياتها، إذ لا تنحرف عنها أو تحيد سواء في اختيارها للعناوين، للصور، لنقل الاحداث، وغيرها من التفاصيل التي استوقفتنا!
في مختلف المحطات التي عاشتها هذه المؤسسة الإعلامية منذ أن كانت جريدة ورقية فقط، وصولاً إلى كونها مجموعة "النهار" الإعلامية... أي منذ تأسيسها في 4 آب 1933، مروراً باحتلال الجيش السوري لمكاتبها في عام 1976، وصولاً إلى اغتيال الشهيد جبران تويني عام 2005، بالإضافة إلى تفجير مرفأ بيروت، مروراً بمختلف الحروب التي شهدها لبنان، "اختارت "النهار" الصمود، الاستمرار، وقول لا على طريقتها"، على حدّ تعبير واكيم، مستذكراً العدد "الأبيض" المميّز الذي اختارته "النهار" لقول لا في وجه العتمة والظلم. إذ سطّرت خطوة جريئة في عام 2018، يوم جسّدت التزامها رسالة الصحافة بكلّ نزاهة ورقي وشفافية، في عدد حمل الرقم 26680 وحمل أوراقاً بيضاء بالكامل، احتجاجاً على الوضع الكارثيّ في البلاد والفراغ الحكوميّ، بعيداً من اثارة النعرات في صفوف جمهورها، إنّما اختارت إشراكه في كتابة العدد والمستقبل الذي يريده، إذ تؤكد "النهار" مجدّداً، أن الاخلاقيات أولاً، وجذب الانتباه يمكن أن يتحقّق بكلّ إتّزان وإلتزام للمعايير والأخلاقيات بعيداً من العمل في الصحافة الصفراء وأنّ التعبير عن الرأي مسؤولية قبل أن يكون حرّية!
ماذا عن تحديات المهنة في ظل الرقمنة وتوسع المنافسة؟ سؤال توجهنا به إلى الصحافي محمود فقيه الذي كانت لنا مقابلة خاصة معه خلال زيارتنا، فيجيب: "دورنا الإضاءة على الحقّ والحقيقة، اختارت "النهار" السرعة مقرونة بالدقة بعيداً من التسرُّع، اختارت مواكبة مختلف فئات المجتمع من خلال تخصيص ملاحق وأعداد عند كلّ استحقاق ومناسبة، إيماناً منها بأهمية كلّ فئة في بناء الوطن".
ونحن نتحدّث عن أخلاقيات المهنة، لا يمكن إلا أن ننحني أمام المهنية التي تمسّك بها كلّ فرد من أسرة "النهار"، بعد ما عصف تفجير 4 آب بمكاتبها، ودمّر جدرانها، إذ على رغم الدمار والزجاج المتناثر وتهشّم المكاتب، لم تنهَر الأخلاقيات. فيوضح فقيه: "واصل الفريق عمله بالكتابة والتصوير من المنزل، مثبتاً أنّ الصحافة الحقيقيّة لا تتوقّف، وأنّ القيم المهنيّة لا تسقط حتى عندما يسقط الحجر. حافظت "النهار" على طريقة نشر الصور والفيديوهات، مع التأكّد من تمويه أي محتوى حسّاس أو صور لأطفال، حفاظاً على أخلاقيات النشر وخصوصيّة الأفراد. حتى أنّها في عزّ الحرب، وانهمار الغارات بقيت ملتزمة التحقق قبل النشر عبر الـFact Checking، غير مبالية لأي سبق صحافي او استثمار إعلامي على حساب الدقّة".
يصعب إختزال هذه الزيارة في سطور، ولكن اثبتت لي هذه التجربة أنه مهما اشتدّت الأزمات، تبقى الأخلاقيات الصحافيّة حيّة في مؤسّسات اختارت أن تحافظ على ضمير المهنة. لذا لا خوف على الحقيقة ما دامت هناك "نهار"، ما دام هناك ديك يصيح!











0 تعليق