"جمهورية الكبتاغون" في قبضة المتغيرات... هل انتهى زمن الحصانات العابرة للحدود؟ - جريدة هرم مصر

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"جمهورية الكبتاغون" في قبضة المتغيرات... هل انتهى زمن الحصانات العابرة للحدود؟ - جريدة هرم مصر, اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 09:03 مساءً

لم تعد بعلبك تلك المساحة الرمادية الخارجة عن السيطرة، بل تحولت بين عامي 2022 و2026 إلى ساحة لأعنف مواجهة أمنية في تاريخ لبنان الحديث.

 

والحال أن تفكيك معامل الكبتاغون في حرف السماقة وبوداي وسقوط "أساطير التهريب" ليس مجرد نشاط روتيني، بل هو زلزال يضرب بنية تحتية سياسية واقتصادية صمدت لعقود، ومرحلة جديدة تطوي زمن "الجمهورية الكيميائية" وتُنهي عهد الحصانات التي غلّفت جرود المنطقة لسنوات طوال.

 

 

 

بينما كانت الشبكات العابرة للحدود تراهن على هشاشة الواقع الأمني، جاءت الصدمة من الميدان. فوفقاً لمصادر أمنية خاصة لـ"النهار"، يكشف "انفجار" الأرقام عام 2025 عن تحول أمني جذري تجاوز مرحلة "تقليم الأظافر" إلى "قطع رؤوس" الكارتيلات التي "مأسست" الفوضى لتمويل شبكات نفوذ عابرة للحدود.

 

ff8d2c377a00433fbc4561ef9e1aae58_205314.

 

بمقارنة بسيطة مع عام 2022 الذي سجل ضبط مليون و14 ألف حبة كبتاغون فقط، نجد أن المضبوطات قفزت عام 2025 بمعدل 145 ضعفاً لتصل إلى 147 مليوناً و859 ألف حبة. وقد توزعت هذه الكميات على النحو الآتي: 70 مليون حبة ضبطتها مديرية المخابرات في الجيش، و77 مليوناً و859 ألف حبة ضبطها مكتب مكافحة المخدرات المركزي. ويُظهر التوزيع المتقارب للمضبوطات وجود تكامل عالي المستوى وتوزيع فعال للمهمات بين الجيش وقوى الأمن الداخلي، في دلالة واضحة على سقوط الحصانات عن "الجذوع" التي كانت تعمل في الظل.

 

هذا التحول لم يقتصر على الكبتاغون، بل امتد ليعلن انتقال المنطقة إلى مرحلة "تقويض الهياكل الأساسية" في تجارة السموم بعد الضبط الصادم في بريتال بنحو 85 كيلوغراما من الكوكايين عند ع.إ، بالإضافة إلى وضع اليد على ترسانة من المواد الأولية شملت 98 برميلاً كيميائياً، و304 كيلوغرامات من مادة "سيلفيا"، و400 كيلوغرام من حشيشة الكيف، مما يقطع الطريق على "قوى الظل" في امتلاك خزينة موازية بمليارات الدولارات كانت تُستخدم كسلاح مالي فتاك.

خريف الرؤوس الكبيرة

 

إنهاء الجيش اللبناني أسطورة المطلوب نوح زعيتر في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 المشمول بعقوبات دولية منذ 2023 يحمل رسالة مشفرة. فالمظلة التي كانت تحمي هؤلاء المهربين تهاوت، إذ تبخرت حصانتهم مع سقوط نظام الأسد وبداية "المخاض الأمني" للسلطة الجديدة في سوريا، وهو ما رفع الغطاء عن "ممرات الآمان" القديمة. وترافق ذلك مع استراتيجية أمنية "خشنة" للجيش اللبناني لم تترك مجالاً للتفاوض، بحيث شهد العام السابق مواجهات دامية أدت إلى مقتل عدد من المطلوبين الكبار الذين كانوا يشكلون أركان "جمهورية القلق" في البقاع، وكان ذلك بمثابة إعلان نهاية حقبة "المطلوب المحمي" بما يعكس قراراً سيادياً (بضغط دولي) لغسل سمعة الدولة.

 

b81724cf65134178852eb1da490fadcc_205325.

 

 

هذه الملاحقات لم تعد تعتمد "الدهم الكلاسيكي" فحسب، بل تجاوزته إلى إدخال الجيش عنصر التكنولوجيا الفائقة في المعركة، من التعقب الدقيق للهواتف والاتصالات، وصولاً إلى الاستخدام الفعال لـسلاح الجو والطائرات المسيّرة في رصد التحركات الجردية واستهداف مخابئ المطلوبين بدقة جراحية، مما جعل من "الفرار إلى الجرود" خياراً انتحارياً لا نجاة فيه.

أدّت مكاتب المخابرات في الهرمل وغرب بعلبك وبعلبك، ومكتب مكافحة المخدرات المركزي دوراً "جراحياً"، إذ انتقلت من الرصد التقليدي إلى "الاستعلام الوقائي"، مخترقةً تضاريس وعرة ومخابئ تحت الأرض. النتيجة تفكيك 10 معامل كبتاغون، و3 معامل حشيشة، وإتلاف 35 دونماً، وتوقيف أكثر من 400 مطلوب في عام واحد.

هذا الإنجاز يبرز بوضوح عند النظر إلى بيانات 2022 التي ركزت على "القشور"، مثل ضبط 37.6 كيلوغراما من بذور القنب و45 كيلوغراما من الماريجوانا والحشيشة، فيما غابت السلائف الكيميائية. علماً أن "المطابخ المركزية" الآمنة توزعت في قرى حوض العاصي السورية خلف حدود نظام الأسد. وبسقوط النظام وتخلخل تلك الحصانات، اضطر الكارتيل إلى نقل مختبراته وسلائفه الكيميائية إلى العمق اللبناني.

 

في 2025، انتقل التركيز إلى "العصب الكيميائي" بضبط 137 برميلاً من المواد الأولية (98 سائلة و39 بودرة)، و304 كيلوغرامات من السيلفيا، مما عطل "المطابخ" قبل الإنتاج.

 

خريطة السقوط 

 

رسمت العمليات المشتركة بين الجيش والمخابرات وقوى الأمن الداخلي مساراً تصاعدياً، تظهّر كالآتي وفق مصادر أمنية لـ "النهار": 

8 كانون الثاني/يناير 2025: سقوط المصنع الأم وضبط 6 ملايين و300 ألف  حبة كبتاغون في اليمونة، في موقع واحد، بقيمة 240 مليون دولار أميركي، ما يعني أننا أمام "مجمّع صناعي" وليس مجرد معمل صغير. هذا الرقم يعادل استهلاك دول كاملة لأشهر، مما يشير إلى أن اليمونة كانت "نقطة التجميع والإرسال" الرئيسية للشرق الأوسط.
كذلك جرى ضبط ثلاثة معامل في البلدة في 13 تموز/يوليو و13 أيلول/ سبتمبر و23 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. 
2025: تفكيك أضخم معمل في بلدة اليمونة، وضبط كميات كبيرة من الكبتاغون والكريستال ومخدرات أخرى، إضافة إلى ردم نفق بطول 300 متر كان يُستخدم لخدمة أحد المعامل، لتسقط "المراكز اللوجيستية" الأكثر تطوراً في تاريخ صناعة الكبتاغون في لبنان وفق المصدر نفسه.
28 حزيران/يونيو 2025: ضبط معمل في حورتعلا وكمية كبيرة من المواد المستخدمة في صناعة الكبتاغون.
17 أيلول 2025: إنجاز بضبط 64 مليون حبة كبتاغون و79 برميلاً كيميائياً في بوداي.
22 تشرين الثاني 2025: تفكيك معمل متكامل في بلدة القصر الحدودية وضبط مواد أولية، وفي مغاور البلدة كانت المفاجأة: ضبط كميات هائلة من الأمفيتامين والكافيين، في مقابل كميات قليلة من الحبوب الجاهزة، ما يعني ببساطة أن مكتب الهرمل نجح في قطع "حبل الوريد" عن الماكينات قبل أن تبدأ بالدوران.
12 كانون الأول 2025: ضبط مليون ونصف مليون حبة في حوش بردى، معدة للتهريب (بعد توقيف مطلوبين في بوداي في 8 كانون الأول).
5  كانون الثاني 2026: عملية ضخمة في بلدة بريتال أسفرت عن ضبط معمل ومصادرة كميات هائلة شملت 70000 حبة من الكبتاغون، 1500 كيلوغرام حشيشة، 440 كيلوغرام من البودرة، و85 كيلوغرام من الكوكايين.
 9 كانون الثاني 2026: ضبط معمل ومواد أولية ضخمة في حرف السماقة (الهرمل)، لم تكن مجرد دهم، بل ضربة لمركز ثقل لوجيستي يقع على التماس الحدودي مع سوريا.
15 كانون الثاني 2026: دهم حي التل الأبيض في بعلبك وتفكيك معمل صابون وتوقيف عدد من المطلوبين وضبط مواد أولية محظورة، إذ استغله ر. ج. تجارياً لتمرير السموم، قبل أن تدهمه القوة الضاربة في شعبة المعلومات ومكتب مكافحة المخدرات، بتنسيق ميداني مع الجيش اللبناني واستخباري مع السعودية، إثر ضبط شحنة صابون مفخخة على أراضيها من إنتاج المعمل نفسه، وفق ما أورده مصدر أمني لـ"النهار".

ما يشهده البقاع اليوم يتجاوز كونه إنجازاً أمنياً ظرفياً، ليشكّل نقطة انعطاف حقيقية في مقاربة الدولة اللبنانية لملف المخدرات. للمرة الأولى، انتقلت المواجهة من مصادرة النتائج إلى ضرب الجذور، ومن ملاحقة الحبوب إلى خنق الكيمياء التي تقوم عليها منظومة التصنيع.

عام 2025 ومطلع 2026 رسّخا هذا التحوّل، إذ لم يعد الهدف تفكيك الشحنات، بل تعطيل "المعمل الذي لا يُقهر" عبر تجفيف السلائف الكيميائية وضرب العُقد التقنية في الجرود. ومع انتهاء مرحلة "الأمن بالتراضي"، وولادة تنسيق أمني إقليمي فعّال، لم تعد الحدود ملاذاً آمناً لشبكات التهريب، بل تحولت إلى ساحة مواجهة استباقية مع الكبتاغون كتهديد وجودي.

اليوم، يقف لبنان أمام استحقاقه الأصعب: تحويل هذا التقدّم الأمني إلى إنجاز استراتيجي دائم، عبر سدّ ثغر الفساد المؤسساتي وتقديم بدائل اقتصادية حقيقية إلى بعلبك . 
فالانتصار الكامل لا يُقاس بصمت المبردات في الجرود فحسب، بل عندما يتحول البقاع من "دهليز للسموم" إلى جسر للتجارة المشروعة، وتصبح "حِيَل" الماضي - من رمان وخشب وصابون - دروساً في مرحلة انتهت بلا رجعة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق